«تِخنِت»، كلمة لبنانية عامية تُستخدم للتعبير عن تخطي الحدود إلى درجة كبيرة في شكل سلبي. لعلها الكلمة الأنسب لتوجه إلى أي مسلسل، يبدأ ادعاءً من أديب كبير فينتهي مكسيكياً، باكتشاف أن الأخ هو الابن. ويستحوذ فيه حنجور بول لقطة قريبة مركزة، بلا أي مبرر درامي. ويشكل مثالاً صارخاً على استغلال سذاجة شبكات التواصل الاجتماعي، في إطلاق شعارات فارغة، بتفسير لا يمت إلى منطق الأحداث بصلة. نكبات متسلسلة في مسلسل «طريق»، يعبرها بتفوق الممثل السوري عابد فهد، يلحقه بعد حين ممثلون، ويضيع فيه النص والإخراج.
 
«تِخنِت»، كلمة لبنانية عامية تُستخدم للتعبير عن تخطي الحدود إلى درجة كبيرة في شكل سلبي. لعلها الكلمة الأنسب لتوجه إلى أي مسلسل، يبدأ ادعاءً من أديب كبير فينتهي مكسيكياً، باكتشاف أن الأخ هو الابن. ويستحوذ فيه حنجور بول لقطة قريبة مركزة، بلا أي مبرر درامي. ويشكل مثالاً صارخاً على استغلال سذاجة شبكات التواصل الاجتماعي، في إطلاق شعارات فارغة، بتفسير لا يمت إلى منطق الأحداث بصلة. نكبات متسلسلة في مسلسل «طريق»، يعبرها بتفوق الممثل السوري عابد فهد، يلحقه بعد حين ممثلون، ويضيع فيه النص والإخراج.
 
 
تلوح النكبة الأولى في هذا «الطريق»، بالإنطلاق من عبارة «مأخوذ عن قصة «الشريدة» للأديب العالمي نجيب محفوظ»، وإعادة علكها إعلامياً بلا تَبَيُّن، إلّا أن الأحداث تكشف أنها «مشرّدة» عن القصة التي تدور حول مساومة المال بالحرية والبحث عن الحب، وأن الأخذ بنسبة عالية مرتبط بفيلم «الشريدة» (1980). على الأرجح أن «المؤلفين» سلام كسيري وفرح شيّا، لم يقرآ الأصل.
 
وتستمر مطبات النص على «الطريق» الأفقي بلا أي صعود. مسافة طويلة بإيقاعِ بطيء حد الملل والمراوحة أحياناً، قبل الوصول الى خاتمة قصة إنسانية، تميل الى ما يشبه حكاية ما قبل النوم، أكثر من الدراما في إشكالية التكافؤ في زواج بين متعلمة فقيرة وأميّ غني، والوصول إلى إمكان التكامل بينهما. يفشل السيناريو في هدفه، في تقسيم المشاهد بين النموذجين مائلاً الكفة لمصلحة «جابر» المزّود بطيبة القلب والفطرة الإنسانية وتقديم الخير والمظلومية، بينما يثقل ظالماً «أميرة» بالاستعلاء والأنانية والطموح الأعمى، وأيضاً بتناقضات حواراتها، هي تعترف بخطأها بقرار الزواج مرة سائرة نحو قرار الطلاق، وفي أخرى تشدد على أنها تتحمل مسؤولية قراراتها على رغم مشكلات زواجها. حوارات على الأرجح كُتبت بأكثر من يدين.
 
التناقض المستمر لم يكن بين جوهري العلم والجهل، بل كان في تكّبر الأول على الثاني، وليس في اختلاف الأولويات بينهما، بل في مسح متطلبات طرف لحساب آخر. «أميرة» تعرض الزواج على «جابر»، في محاولة تحقيق معادلة التكامل بين ما يمتلكان. اختلافاتهما الكثيرة تثير المشكلات. جهله وذوقه الغريب في اختيار الملابس يخجلانها. هي محامية تبذل وقتها كله في عملها، حتى أنها لم تطبخ أكثر من مرة في منزلها. هو يسبقها بفضله عليها، هي تنقذ شقيقه من الخطف. تتخذ قراراً كالإجهاض في شكل منفرد، انتقاماً لخيانة لم تحصل. في حوار معبّر عن ضعف ما تمثله، ترد «أميرة» على «جابر» أن علمها سبب نجاحها، وليس ماله الوفير المغدق عليها. لسان الحال يقول: «تخرجتِ منذ سبع سنوات، قبل لقائي، لماذا لم تحققي شيئاً؟». ترتفع الحبكة في الحلقات الأخيرة، لتصل إلى نهاية تجافي كل مقولة العمل قبلها والانطلاق من أطروحة «عقل أم قلب»، ليصل إلى التنازلات الكاملة من «جابر» وتنازل عام من «أميرة» وليس متعلقاً فقط بالارتباط والأمومة، وهذا نسف للإشكالية الأساسية القائمة على التناقض أو حتى التكامل بين ثابتين. فالمقولة الأخيرة تعلن الاختزال فقط.
 
على هامش الحبكة الأساسية، يُحسب لـ «طريق» تعرجه إلى قضايا معيشية واجتماعية كثيرة من الواقع المحلي، من أبرزها انقطاع الكهرباء وزحمة السير، وعدم إعطاء الأم اللبنانية الجنسية لأولادها، وأزمة اللحوم الفاسدة والمسالخ غير الصحية، وأبرزها خطيئة التحرش الجنسي التي تكشف سذاجة قسم كبير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي، واستخدامها في تحقيق «بطولات وهمية».
 
يتغنى جمهور الـ»سوشيال ميديا» بكسر «أميرة» نمطية «الخوف من الفضيحة»، ومواجهة المتحرش حتى النهاية وعدم التستر عليه. نادين نسيب نجيم مؤدية «أميرة» تدعو الناس للتمثل بها. ولكن «أميرة» لم تواجه المتحرش «غسّان نمّور» (أسعد رشدان) ابتداءً، بل تستسلم لأنه «صاحب سلطة»، فلا توجه ضده أي شكوى، بل حتى أثناء محاولة الاعتداء عليها، تدعي أنها تتعرض للحريق وليس الاغتصاب. تحركها يأتي فقط كرد فعل على اتهامه إياها بسرقته والتشهير به.
 
أما من ناحية الإخراج، فالنكبات كثيرة. لافتة «طويلة عريضة» تشير إلى منع تجول السوريين لم تشاهدها المخرجة السورية رشا شربتجي في الكادر.
 
وعلى رغم واقعية اللافتة في مناطق لبنانية، إلّا أنها خيالية في عمل نصف شخصياته سورية تتجول بحرية تامة. وفي خيارات غير مفهومة تتحمل معنى «الاشمئزاز»، تأخذ كاميرا شربتجي لقطات «كلوز» لعبوة مليئة ببول «أميرة» أثناء قيامها بفحص الحمل، من دون أي منطق فني. وتكمل «فرانكشتانياً» بجعل «سعاد» من أداء الممثلة السورية وفاء موصللي (58 عاماً) والدة «جابر» من تجسيد فهد (54 عاماً)، بلا أي ماكياج خاص يزيد فارق السن. ربما هو قرار متأخر بعد البدء بالتصوير، لكنه أكيد أكثر من استخفاف إذ كان هدفه إخفاء الحبكة المكسيكية. في أحد مشاهد الحلقة الأخيرة، تنسف شربتجي جلّ المشهدية التي تتبناها في العمل، فيظهر طبيب مختص «متعلم»، بملابس تماثل ذوق «جابر».
 
من ناحية الأداء، يترك مجدي مشموشي بصمة كبيرة. يستطيع حتى ترسيخ لازمة في مساحة صغيرة لـ «جهاد»، «رح ابلعها». تجهد زينة مكي بشخصية «عبير»، لكنها تخطئ في المبالغة، لا سيما في تصنّع البكاء الدائم. نادين نسيب نجيم، صاحبة الكاريزما العالية في الحضور دائماً، والموهبة التي لا شك فيها، ظُلمت في النص، وظلمت نفسها مرة جديدة في إيقاع الشخصية من يدها أحياناً، الشخصيات الدرامية في حاجة إلى قراءة أعمق، تعامل بارد مع تفصيل «الكف الأسود». في أحد المشاهد تجيب على المعتدي عليها بهدوء وطبيعية ونبرة سلسة: «ايه غسّان». «أميرة» أحد أكبر أدوارها، ولكن ليس أفضلها. وأما «جوكر» العمل عابد فهد، فيُثبت قدرته على الولادة المتجددة، وتغيير جلده بحرفية كاملة. يختار شخصية بأدوات كاملة من الداخل إلى الخارج، في الصوت والحركة، يلبسها فتلبسه، لا تفارق لحظة جهازه العصبي. صعوبة الشخصية تكمن في المزج بين الطيبة والتواضع والطرافة وسرعة البديهة التي لم تخذله في أي لقطة. «برافو... برافو».
المصدر:الحياة