يمكن القول بأن مسلسل «مسافة أمان» (كتابة إيمان السعيد ـ وإخراج الليث حجو) هو تكفير عما ارتكبته الكاتبة في «خمسة ونص» (إخراج فيليب أسمر) دراما الصابون والتجميل والدجل التلفزيوني. في «مسافة أمان»،
 
يمكن القول بأن مسلسل «مسافة أمان» (كتابة إيمان السعيد ـ وإخراج الليث حجو) هو تكفير عما ارتكبته الكاتبة في «خمسة ونص» (إخراج فيليب أسمر) دراما الصابون والتجميل والدجل التلفزيوني. في «مسافة أمان»، 
 
نحن أمام نص سوري موسوم باشتباك ساخن، يطرح مجموعة كبيرة من الشخصيات الغنية، بل المترفة بالتفاصيل الصغيرة، والمثقلة بهموم كبيرة. تلك هي المفاتيح السرّية للجاذبية العالية التي يخلّفها العمل جماهيرياً، إلى جانب براعة «الكاستينغ» حيث كلّ ممثل في مطرحه المناسب. الشغل على المستوى الأدائي، يغلّف قلب المشاهد بحماس، واندفاع نحو شخوص الحكاية. لمسات مهندسة الديكور رشا نجار الوافدة من عالم السينما واضحة تماماً، رغم تركها العمل في نصف الطريق، إلا أنّ اسمها على الشارة يشي بمهنية الربّان. واقعية الماكياج لردينة ثابت سويدان قيمة مضافة، حتى موسيقى إياد الريماوي المكرورة تبدو في مكانها هنا.
 
منذ اللحظة الأولى، يتوالف المتابع مع إحساس الطبيبة سلام (سلافة معمار) وهي ترفض أوامر خاطفي زوجها، وتبلّغ عن حقيبة المتفجرّات التي دخلت بها المستشفى تنفيذاً لأوامرهم، ثم يتماهى لحدود مفرطة بمصادفة إصابتها بخلل عصبي، رغم أنها جرّاحة أعصاب. تحيلنا المشهدية الرمزية هنا إلى واقعة عايشناها، لسيناريست سورية اسمها بثينة عوض تعاني من التهاب عصبي في يدها اليمنى، جعلها تستعين دوماً بصديقة تكتب لها ما تمليه عليها. على المنوال ذاته، تبدو مؤثرة ثنائية سلام مع مروان (إيهاب شعبان) السائق والحارس ووليف اللحظات الصعبة التي تقارعها دكتورة الأعصاب. الأخيرة تتحول إلى داعم حقيقي، يوم تصاب والدة مروان بجلطة بعد اعتقال ابنتها، وهي التي فقدت ابناً آخر مجهول المصير. يلعب شعبان على منطق التصنيع الحركي، لردّة الفعل البارعة عند هبوط المصيبة بتعاف مطلق من الهرج البرّاني! لاحقاً، ستتمكن سراب (كاريس بشّار) وابنتها (لين غرّة) من طرح حالة نموذجية عن كسر الحواجز الاسمنتية بين أمّ في مطلق صباها، وابنتها المتفتّحة مثل وردة مرميّة على سبطانة دبابة، أو كأنّها مزروعة في خراب البلاد المتآلكة. لوحة تشكيلية مثيرة، تغازل المتفرّج وتفتح شهيّته لتبادل الأدوار. كاريس هنا توغل في الأداء الجوّاني. الشيفرة التي تملكها، تعيد تكوينها كما تقتضيه الحالة، تضاف إليها شراكتها مع شبيهتها في الروح والأداء!
في الجوار فنانة تشكيلية (ندين تحسين بيك) متزوجة من صاحب دار نشر (عبد المنعم عمايري) تكتمل معانتهما بسبب عدم الإنجاب، ووالدة الزوجة (سوسن أبو عفّار) المصابة بـ «الزهايمر» تحيلنا إلى دور جوليان مور الرائع في Still Alice الحائزة فيه جائزة أفضل ممثلة في غولدن غلوب 2014. أبو عفّار تلعب هذه الأدوار بآلية مدهشة. أما يوسف (قيس الشيخ نجيب)، الملاحق من عصابة مبهمة بسبب «هارد ديسك» يحوي فضائح، فتربطه علاقة مفاجئة بنور (حلا رجب) التي يسعفها بعد إجهاضها طفلاً حملت به من خطيبها السابق الذي تخلّى عنها قبل الزفاف بساعات. المساعد (وائل زيدان) يقبض بيمناه على القانون، ثم يتأمّل قليلاً كأنه يبتسم بوجه البلد، وهو ينظر إلى بنية ساحرة يعبث بمفاتنها وحش الفساد والمحسوبيات الطاعن في القماءة، فيترك ليسراه فرصة المراوغة بذريعة مكانه الوظيفي لخدمة أقربائه وناسه وجيرانه. في مشهد القبض على «صبا» (هيا مرعشلي) لاتهامها زوراً بجريمة قتل، يطلّ زيدان بتلقائيته المعتادة، ومفرداته ذاتها، فيحقق أكثر من المطلوب، ربما يستحق الممثل الموهوب تركيزاً بحثياً على نجاحه المستمر أينما وضع، رغم أنه قد يكرّر نفسه بعفويته المستمرة! الحكاية تصل عند تاجر الكلى والأعضاء البشرية الممرض (كرم شعراني). يبدو الأخير فعلياً كأنه مجرّد واجهة لمافيا تجارة أعضاء خطيرة. يلعب الممثل الشاب بدون مبالغات في تظهير الشر إنما بلوازم كلامية ووعي جسدي وإدراكي! من طرفها، تستحوذ الثنائيات الحوارية كل الاهتمام، خاصة أنها متوّجة بأداء عميق بين المدرّستين «صبا» وزميلتها المحجبة «أمينة» (ولاء عزّام) لعلّ أكثرها نجاحاً في «لخبطة» المشاهد ودسّ الجرأة المفرطة بين السطور، عندما تسرق الأولى نقوداً من حقيبة زميلتها، فتكشفها رفيقتها وتصمت! تسأل صبا عن سرّ هذا الصمت، فتبوح أمينة بثبات مؤثّر عن كمّ السكوت الذي لازم السوريين، وهم يتفرّجون على كراماتهم المهدورة أمام أعينهم!
 
القضايا الكبرى تمرّ في المسلسل بشكل ترفيهي وبلعب مقصود على السطح
 
القضايا الكبرى تمرّ في المسلسل بشكل ترفيهي وبلعب مقصود على السطح، على الأقل حتى الحلقة 20. ربمّا لا يتطلّب الأمر أكثر من ذلك حتى يصاغ شرط المتعة من دون مزيد من القتامة. لكن هناك بعض الأسئلة المرمية على كاهل «مسافة أمان»: القاعدة الإعلامية تقول بأن كلّ حشو يمكن الاستغناء عنه مع الحفاظ على المعنى، يتوجب التخلّص منه، لكن طالما أن الدراما التلفزيونية هي فن الثرثرة، قد لا تفيد هذه الدلالة المرجعية. مع ذلك، يحق السؤال: لو غيّبنا صوت الراوي (تؤديه شكران مرتجى)، هل كان التصعيد الحكائي ليتأثر؟ ما الذي يضيفه الشرح المستمر من شخصية لا نعرف من تكون أكثر من أنّها الضمير المغيّب ضمن هذه التوليفة، خاصة أنّ العمل يناقض نفسه عندما يلاحق شخصية فقيرة (تؤديها نورا مراد) وقد تعرّضت لاحتيال جعلها تبيع كليتها برخص، ثم تسرح، وهي في سيّارة الأجرة، مستعيدة حلمها القديم عن زيارة الشام، ليدخل على المشهد صوتها (فويس أوفر)، فإذا به أكثر انسجاماً وحيوية وتأثيراً؟ بمعنى أنه ربما كانت الحالة ستأخذ بعدها الجمالي لو خرج ضمير كلّ شخصية على حدة ليحكي عنه، بالطريقة نفسها التي شاهدنا فيها شخصية مراد!
على ضفة موازية، المبررات ودوافع الشخصيات ينقصها العناية بأسلوبية أكثر إقناعاً. إذ لا يمكن تصديق عائلة كانت تعيش في يعفور وانتقلت إلى دمشق. الأب فيها (جلال شمّوط) لجأ إلى دولة أوروبية وقدّم أوراق لمّ شمل، وجمّدها بعدما قرر إكمال حياته مع امرأة يونانية! مثل هذه الطبقة وصلت فعلياً بمنتهى السهولة إلى أوروبا، بخاصة خلال فترة فتح أبواب عواصم الأحلام للجوء. كما أن الحالة التي بنيت عليها علاقة الأم وابنتها وسط هذه العائلة، لا تبرر إطلاقاً فكرة أن تخبّئ الشابة دراستها للمعهد العالي للفنون المسرحية وتكتشفها الأم بالصدفة!
على أيّ حال، يعتني الليث حجو كما يعرفه المقرّبون منه بالتفاصيل الصغيرة. يدوّن ملاحظاته على قصاصات ورق، يمنح الفريق الفني مساحته في التجريب والاختيار، وغالباً يعطي الممثل حصّته من الاجتهاد. سلسلة طويلة من النجاحات هزّتها عاصفة قوية في العام الماضي، لكنّه عاد بمزاج هادئ وحقق حضوره ومكانته التي يستحقها.
المصدر:سوريا الآن