(لقد كرهت هذا الفيلم، وهذه ليست مزحة.. هل هذا هو المكان الذي هبطنا فيه؟ الطريقة الوحيدة للتعامل مع القضايا المعاصرة والأمل في اجتذاب جمهور ما.. هي نجم فيلم كوميدي؟ ربما كان الأمر كذلك، لكنني لم أجد شيئاً أستمتع به في هذا الفيلم.. أرحب بالأفلام التي تتصدى لقضايا اليوم بأسلوب درامي أو كوميدي، لكنني لم أستمتع بالسخرية من القبح لمدة ساعتين. هذا كل ما يقدمه جوكر).
 
 
(لقد كرهت هذا الفيلم، وهذه ليست مزحة.. هل هذا هو المكان الذي هبطنا فيه؟ الطريقة الوحيدة للتعامل مع القضايا المعاصرة والأمل في اجتذاب جمهور ما.. هي نجم فيلم كوميدي؟ ربما كان الأمر كذلك، لكنني لم أجد شيئاً أستمتع به في هذا الفيلم.. أرحب بالأفلام التي تتصدى لقضايا اليوم بأسلوب درامي أو كوميدي، لكنني لم أستمتع بالسخرية من القبح لمدة ساعتين. هذا كل ما يقدمه جوكر).
 
كان هذا تعليق الناقد الكبير والمؤلف السينمائي العريق ليونارد مالتين في مقالته الأخيرة عن فيلم «جوكر»، وهو الناقد الذي يحظى بقبول كبير في الوسط السينمائي على مستوى النقد والتقييم، ويعد أحد أبرز النقاد حالياً وأشهرهم، حيث أنهى مؤخراً سنته الـ30 في برنامجه الشهير Entertainment Tonightـ الذي بدأه مطلع الثمانينات، وصاحب الكتاب المرجعي (دليل أفلام ليونارد مالتين) والذي جمع فيه أكثر من 16 ألف نبذة تقييمية للأفلام كانت تتجدد مع كل طبعة سنوياً.
 
ظاهرة نادرة
بالتأكيد ليس مالتين أو غيره من مشاهير النقد السينمائي هم الفصل والقول الحاسم في تقييم فيلم «الجوكر» أو غيره، لكن الإشارة إليه تأتي كأنموذج لمستوى التقييم النقدي للفيلم والبرود، وربما الامتعاض والسخرية من عدد كبير من النقاد تجاه الفيلم، وهو في رأيي ما يشكل ظاهرة نادرة نسبياً أن نرى تبايناً شديداً ما بين النقاد والجمهور تجاه فيلم ما. فمن جهة النقاد وحسب الموقع الأشهر www.rottentomatoes.com المعني بجمع مقالات النقاد وآرائهم، فمن بين أكثر من 450 ناقداً سينمائياً من أنحاء العالم وفي مختلف وسائل النشر، نجد أن الفيلم لم يتجاوز مجمل تقييمه الفني 69% وهو ما يجعله فيلماً جيداً أو مقبولاً فقط، وهذا ما يظهر التباين من جهة الجمهور والمصوتين في أشهر المواقع السينمائية مثل موقع IMDB، حيث حصل الفيلم على تقييم 9 من 10 لأكثر من 170 ألف مصوت، جعله يحتل حالياً المرتبة التاسعة في القائمة الشهيرة لأفضل 250 فيلماً في التاريخ، بل إنه حتى المشتركين في موقع rottentomatoes من غير النقاد، كانوا قد منحوا الفيلم 90% فضلاً عن الاحتفاء الكبير في شباك التذاكر، حينما حقق الفيلم رقماً قياسياً في أسبوعه الأول في دور العرض السينمائية، حينما حصد في الولايات المتحدة وحدها 40 مليون دولار، أي أنه أكبر رقم يحققه فيلم في افتتاحية عرضه في شهر أكتوبر.
 
انبهار
بينما حقق حول العالم ما يقارب 100 مليون دولار وهو الفيلم الذي لم تتجاوز ميزانيته 55 مليون دولار. وحتى هذه اللحظة فهو الفيلم الأشهر لعام 2019 ليس لأنه حصد جائزة الأسد الذهبي في «مهرجان فينيسيا» سبتمبر الماضي، أو أنه سيكون مرشحاً أولياً في جوائز الأوسكار كأفضل فيلم ونص وإخراج، وجائزة حتمية كأفضل ممثل لخواكين فونيكس عن دوره المذهل في أداء شخصية آرثر فليك التي أصبحت الجوكر، وإنما أيضاً هو الظاهرة السينمائية الجديدة حالياً والأبرز في السنوات السينمائية الأخيرة، حيث نشهد في الكثير من وسائل النشر ومواقع التواصل الاجتماعي عدداً هائلاً من مقالات المدح والانبهار، ومقاطع الانتشاء بروح الجوكر ورمزيته والعديد من التحليلات ما بين الفنية والسيكولوجية والتاريخية، تحت إطار واحد تشير لكونه فيلماً عظيماً استثنائياً كما يراه عشاقه ومعجبوه.
 
تباين
من هنا يأتي التساؤل حول هذا التباين الكبير تجاه تلقي الفيلم. وإذا ما تجاوزنا النقدين السياسي والفكري تجاه الفيلم، باعتباره أداة احتفاء بالتمرد ومناهضة المجتمع وأساليب الطبقية والتهميش والتلاعبات السياسية البراغماتية والنزعة إلى الأناركية، فإن محور النقد لدى أغلب هؤلاء النقاد، يتعلق بالمعالجة، التي بني عليها الفيلم من خلال المخرج تود فيليبس، والذي كتب الفيلم أيضاً برفقة سكوت سيلفر، باعتبارها معالجة سطحية وساذجة ومفتعلة خاصة بالقياس مع الفيلم الملهم للفكرة، وهو التحفة السينمائية الشهيرة للمخرج مارتن سكورسيزي Taxi Driver عام 1976، بشخصيته الشهيرة ترافيس بيكل التي أداها روبيرت دي نيرو أحد أبرز ممثلي فيلم الجوكر أيضاً، وهي الشخصية المعادلة لشخصية آرثر فليك / الجوكر، من حيث المفهوم والنزعة مع الاختلاف الكبير في عمق المعالجة لمصلحة الكاتب باول شريدر مؤلف فيلم «سائق التاكسي». وهذه النقطة تحديداً هي التي يتمسك بها النقاد دائماً تجاه أي فيلم يستلهم فكرته من فيلم سابق يرونه أفضل وأكثر أصالة في طرح الفكرة ومعالجتها. لكننا في الوقت نفسه سنلحظ الإجماع حول أداء خواكين فونيكس، وشبه الاتفاق حول نجاح تجربة المخرج تود فيليبس باعتباره معروفاً بأفلامه الكوميدية مسبقاً حينما خاض غمار تقديم هذه الدراما السوداوية المثيرة أيضاً.
 
تمرين فارغ
يقول الناقد الشهير في نيويورك تايمز منذ عام 2000 أي. أو. سكوت عن الفيلم (يجب أن يكون الفيلم مثيراً للاهتمام في المقام الأول: يجب أن يكون لديه - إن لم يكن وجهة نظر متماسكة على الأقل - مجموعة من الموضوعات المدروسة ومثيرة للتفكير، نوع من التواصل الخيالي مع العالم نحن نعرف ذلك. إن Joker تمرين فارغ ضبابي بأسلوب سلبي وفلسفي من الدرجة الثانية، ليس له أي شيء من ذلك).
المصدر:زهرة الخليج