قد لا يدرك البعض أن كيفية إحقاق العدالة في نهاية أي مسلسل درامي تعد من أهم القضايا التي تؤثر في تفكير المشاهدين ولاسيما تلك الأعمال التي تلقى متابعة وشعبية كبيرة، فطريقة القصاص من المجرمين والمخطئين سواء أكانوا قتلة وجشعين أم أشراراً وفاسدين في نهاية المسلسل لا تمثل فقط وجهة نظر كاتب العمل في هذه القضية وفي مسألة تحقيق العدالة في الحياة عموماً لأنها تؤثر في قناعات ومعتقدات المشاهدين وتتحول عبر التكرار إلى قيم راسخة تستقر في وعيهم ولاوعيهم.
 
 
 
 
 
 
 
قد لا يدرك البعض أن كيفية إحقاق العدالة في نهاية أي مسلسل درامي تعد من أهم القضايا التي تؤثر في تفكير المشاهدين ولاسيما تلك الأعمال التي تلقى متابعة وشعبية كبيرة، فطريقة القصاص من المجرمين والمخطئين سواء أكانوا قتلة وجشعين أم أشراراً وفاسدين في نهاية المسلسل لا تمثل فقط وجهة نظر كاتب العمل في هذه القضية وفي مسألة تحقيق العدالة في الحياة عموماً لأنها تؤثر في قناعات ومعتقدات المشاهدين وتتحول عبر التكرار إلى قيم راسخة تستقر في وعيهم ولاوعيهم.
 
 
المتابع لتطور الدراما السورية يرى أنها جنحت في هذا الشأن، فبعد أن كان رجال المباحث والشرطة في مسلسلات الثمانينيات والتسعينيات هم من يكشفون المجرمين في نهاية المسلسل كما في مسلسل الخشخاش للكاتب فؤاد شربجي والمخرج بسام الملا، ولكن ذلك تغير بعد موجة مسلسلات البيئة الشامية وأصبحت العدالة تتحقق بشكل غيبي وليس عبر الجهات القانونية أو الأهلية، فالأمانة التي سرقها المخرز (بسام كوسا) من بيت ابن عمه المعلم عمر (عباس النوري) في مسلسل ليالي الصالحية مثلاً لم يكشف تفاصيلها المخفر (الجندرمة) الذي يفترض أنه يمثل القانون آنذاك، كما لم يستطع «عضوات» الحارة كشف الحقيقة وإعادة الحق إلى صاحبه وكل ما فعلوه أنهم قاموا بنفي المخرز وحرّموا عليه دخول الحارة، فجأة هكذا في نهاية المسلسل وبشكل ذاتي ومن دون تدخل من أحد يصحى ضمير المخرز ويصاب بمرض عضال ويخاف من عقاب الإله وعذاب الآخرة فيقرر كشف الحقيقة والاعتراف بسرقة الأمانة ويعيدها لابن عمه، الأمر نفسه تقريباً حدث في مسلسل باب الحارة بجزئه الأول، حيث إن «الأحدعشري» (بسام كوسا) الذي سرق ذهب (عصام عبجي) في بداية المسلسل لم يستطع القانون بما يمثله أن يكشف الحقيقة ولم يتمكن جميع عضوات الحارة من أن يفعلوا شيئاً في هذا الأمر ولم تنفع كل النصائح ولا حتى الوعظ الديني الذي مارسه شيخ الحارة في تحقيق العدالة وإعادة الحق إلى أصحابه إلى أن عضت الأفعى ابن «الحدعشري» الذي يموت على أثرها ويتفاقم جرح يد «الأحدعشري» عندها يصحى ضميره ويعيد الحق لأصحابه.
 
لا عدالة «ولا من يحزنون»!
الآن يحدث تغيير جديد في نهايات الأعمال الدرامية في قضية إحقاق العدالة وتتمثل في جنوحها وحتى غيابها كلياً عن بعض المسلسلات، فلا عدالة تتحقق «ولا هم يحزنون»، ففي مسلسل فوضى للكاتبين حسن سامي يوسف ونجيب نصير وإخراج سمير الحسين وإنتاج العام 2018 نجد أن الرجل النافذ والفاسد والبلطجي الأستاذ صادق (زهير عبد الكريم) والذي قام بتهديد المحامي (سلوم حداد) وبتصفيته كي يجعله يخون موكله ويقوم كذلك باختطاف ابن حبيبته (ندين تحسين بيك) التي تصبح زوجته فيما بعد نجد أنه في نهاية المسلسل انتصر فعلاً لا بل إنه استطاع أن يجعل المحامي يضع نفسه تحت تصرفه ويعمل عنده، كما ينجو الشاب جودت الذي قام بالنصب والاحتيال على السيدة ختام (إمارات رزق) ونجا بفعلته في نهاية المسلسل وكأن شيئاً لم يكن.
غيابها خلل مهني
عن هذه القضية قال رئيس دائرة النصوص في المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني- ماهر عزام: كان يشترط تاريخياً في واحدة من المعادلات الأساسية لصنع الدراما إحقاق العدالة عن طريق القضاء في نهاية العمل وتالياً كل من ارتكب خطأ بحق شخص آخر كان يجب على الدراما أن تنتصر للمظلوم ويجب أن يأخذ القانون مجراه، مشيراً إلى أنه في السابق كان يجب توضيح الصورة كاملة لأن الدراما حينها كانت تتضمن شيئاً وعظياً، فكان لابد من أن نرى المجرم وقد دخل السجن أو نرى مشنقة وقد تعلقت، وأضاف: بسبب تطور الوعي وآليات التلقي لدى المشاهدين أصبح يكفي الإيحاء بأن يعرف مثلاً من هو المجرم إن كان مبهماً وتالياً تلقائياً سيدرك المشاهد أنه سوف يعاقب لذلك صار هناك اختصار لهذه المشاهد.
وعن غياب إحقاق العدالة في المسلسلات الأخيرة قال عزام: للأسف في الفترات الأخيرة لم يعد هناك حتى إيحاء ولذلك أصبحت هناك صعوبة لدى المشاهد في معرفة كيفية إحقاق العدل، موضحاً أنه في فلسفة الدراما ومنذ أرسطو يجب على المشاهد أن يشعر بالخوف من الشيء الذي يراه أو يحدث أمامه والخوف يأتي من مشاهد إحقاق العدالة، وأضاف: يحدث رد فعل نفسي عند المتلقي يسمى التطهير فيشعر المشاهد بأنه تم إحقاق العدالة والمجرم نال قصاصه ويتنفس الصعداء لأن هذا القصاص حدث مع هذا المجرم ولم يحدث معه فترتاح أساريره ولا يعود لارتكاب الخطأ أو الجرم نفسه، منوهاً بأن إحقاق العدالة مفصل رئيسي في تحقيق التطهير الذي هو الغاية النهائية للدراما (تلفزيونية كانت أم سينمائية أم على المسرح).
وقال: هناك إهمال لمسألة تحقيق العدالة على شقين الأول قصدي والثاني خلل مهني، في موضوع الخلل المهني هناك كتاب لا يعرفون بقوانين الدراما فيكتبون كما يتخيلون ويرغبون من دون أن يكونوا قد قرؤوا أي شيء عن علم الدراما وفلسفة الدراما وتأتي شركات جاهلة تتبنى هذا العمل وتهتم بالجانب التشويقي للعمل وتهمل التفاصيل الأخرى ومنها تحقيق التوازن في نهاية العمل عبر إحقاق العدالة ثم يأتي مخرج جاهل وصل للإخراج عن طريق الإكسسوار والمال أو كان ممثلاً سابقاً فينفذ هذا النص وهذا خلل مهني يوجد منه الكثير.
وفي موضوع الخلل القصدي ذكر عزام أن الكاتب يريد القول إن العدالة لا تتحقق وتالياً هو يوجه رسالة نقد لمفهوم العدالة في المجتمع إن هناك أخطاء ترتكب ولا تتم محاسبتها وهناك من يتم التغاضي عن سلوكهم عبر تحويل الفساد إلى شطارة والسرقة إلى «فهلوة» وفي هذه الحالة الدراما تعمل نقداً مبطناً لمفاهيم اجتماعية طارئة وليست أصلية، وقال: أستطيع القول إن هذا حدث في في أكثر من مسلسل والكاتب هنا هو يعي ما يكتب والمخرج لديه دراية كاملة لمفهوم الدراما وتالياً هذا لا يمر عليهم وقد عززوا هذه القصدية بعدة محاور وكأنهم يريدون أن يقولوا إن العدل ليس موجوداً في المجتمع المطروح درامياً.
مقدسة في هوليوود
رئيس دائرة النصوص في مؤسسة الإنتاج التلفزيوني أشار أيضاً إلى أن جهات الرقابة في أمريكا لا توافق على أي فيلم لا يتم فيه إحقاق العدالة في الفيلم ذاته، وقال: هذا الأمر أحد مقدسات هوليوود وهم لا يدققون على مشهد فيه تعرٍّ أو على اغتصاب قاصر إلا أنهم يدققون على مفهوم تحقيق العدالة، ومرتكب الخطأ يجب أن ينال جزاءه، ومن يقول: إنه لا توجد رقابة في أمريكا جاهل مهنياً لأنه لا يتم تصوير حتى مشهد واحد إذا لم تكن هناك موافقة من (اتحاد المنتجين السينمائيين في أمريكا) والذي هو شركة خاصة معنية ومكلفة بالحفاظ على القيم المجتمعية(ضمن اتفاق ضمني حيث أصحاب هذه الشركات أعضاء في الكونغرس ومجلس الشيوخ الأمريكي).
الرقابة التلفزيونية مسؤولة
عزام أكد أن الرقابة التلفزيونية تتحمل مسؤولية هذا الأمر والرقابة في سورية موجودة، ولكن هناك مشكلة بين رؤية الرقيب وشركات الإنتاج ولاسيما عندما يحصل صدام بين شركات الإنتاج والرقابة ويؤدي هذا إلى إخراج الإنتاج الدرامي من سورية، وعندما قالت الرقابة إن هذا العمل غير صالح للإنتاج قرر أصحاب الشركة تصوير المسلسل خارج سورية بكادر سوري، وتالياً سيبقى هذا المسلسل يحمل الهوية السورية في الوقت الذي لم يعد خاضعاً للرقابة السورية، وهناك العديد من الأعمال أنتجت خارج سورية إما بسبب تحفظ الرقابة عليها وإما كانت لها ملاحظات عليها وأصبح يخشى من أن تكون الرقابة طاردة لرؤوس الأموال وللإنتاج الفني والموضوع لايزال قيد الدراسة بأن تتساهل الرقابة ببعض الأشياء أفضل من أن يذهب العمل لخارج سورية وينفذ بكوادر سورية.
الدراما ليست محضراً للوقائع
كاتب سيناريو مسلسلات الخشخاش وأبو كامل والنصية والداية- فؤاد شربجي كان له رأي مخالف في هذا الموضوع، عاداً أنه كان هناك إحقاق للعدالة في أكثر من مسلسل حيث يتم إلقاء القبض على جميع المشتركين في عملية الفساد، وأضاف شربجي أن هذا لا يعني أن القضية انتهت، وفي الدراما انتهاء المسلسل لا يعني انتهاء القصة ومن الظلم القول إنه لم تتم معاقبة المجرمين لأنه تم اتخاذ موقف وهناك رجل ضحّى بسمعته وبمنصبه للقصاص من جميع هؤلاء واشتكى عليهم جميعاً.
وقال شربجي: لم أتابع مسلسل (فوضى) ولكن ما أريد قوله إننا نقع في خطأ كبير عندما نعامل الدراما على أنها محضر وقائع في الشرطة وقد يكون الحل الذي وضعه كاتب مسلسل فوضى هو لتحفيز المشاهد على سلوك أفضل ضد الفساد، مشيراً إلى أنه ليس دائماً مطلوباً من الكاتب أن يعمل كما يجب العمل في الواقع لأن الدراما ليست هي الواقع بل هي تعبير عن الواقع ويحق للكاتب أن يجد طريقة لمعالجة الجريمة بطريقته.
وأضاف: أنا ككاتب وخلال ثلاثين حلقة أفضح لك الفساد وفضيحة الفساد هي عقاب للفساد والعقاب ليس فقط في إلقاء القبض عليهم من قبل الشرطة.
وجواباً عن قول البعض بأنه حدثت محاكاة على أرض الواقع بين ما كان قد تم عرضه في مسلسلات البيئة الشامية وما جرى في بعض المناطق على أرض الواقع خلال الأزمة في سورية، أوضح شربجي أنه ليست هناك محاكاة في المجتمع للأشخاص الفاسدين في المسلسل، وقال: هل هناك من يحاكي شخصاً يبيع ابنته أو يكذب على سكرتيرته أو يقوم بسرقة الدولة، مضيفاً أن الدراما لا تقدم الناس الخيرين لنتائج خيرة بل تنظر لمن يسيء للمجتمع أو يعبث به وتقوم بفضحه، وقال: قد يكون قصد الكاتب من وراء عدم القصاص من جميع المجرمين الإشارة إلى أفراد المجتمع كي ينتبهوا إلى أن هناك مجرمين طلقاء.
لم تكن شامية
وعن رأيه في مسلسلات البيئة الشامية قال شربجي: أنا أول من كتب مسلسل بيئة شامية (مسلسل أبو كامل) وأعدّ نفسي من فتح الباب لمسلسلات كهذه ولكنني ضد معظم أعمال البيئة الشامية لأنها لم تكن دراما ولم تكن شامية ولذلك قبل أن نسأل عن مسألة إحقاق العدالة في هذه المسلسلات يجب أن نسأل عن الإساءة للبيئة الشامية، مشيراً إلى أنها لم تدخل إلى عمق التفاعل الاجتماعي الذي هو انعكاس للتفاعل الدولي في تلك الحقبة ولم تعكس العلاقات الاجتماعية الحقيقية فيها.
وأضاف: عندما ذهبت إلى مسلسل البيئة الشامية ذهبت لأسأل عن معنى هذا المجتمع الحضاري الذي عمره عشرة آلاف عام وليس لتحويله إلى مجرد عرس من هناك ومباركة من هناك وكيف تطهو امرأة (الكبة) وأخرى (الشيش برك)!.
 
المصدر: سوريا الآن