لماذا نريد استضافة العالم في 2020؟

  محمد بن راشد

دي برس الخليج
قبل أكثر من ألف ومائتي عام ابتكر الخلفاء العباسيون مفهوم التواصل المنظم بين الحضارات. ولم يسجل التاريخ المكتوب انفتاح حكام مثلهم على حضارات الآخرين وثقافتهم. وكانت حصيلة ذلك أن جمعت بغداد كل ما أبدعه العقل البشري في مكان واحد، وأسست أول جامعة في العالم، “بيت الحكمة” الذي ضمت مكتبته أفضل ما أنتجته الثقافات الإغريقية والسريانية والرومانية والفارسية والهندية من علوم وآداب.


وفي مطلع القرن التاسع الميلادي أصبحت بغداد في عهد الخليفة المأمون، حاضرة العالم الثقافية والعلمية، ومقصد المفكرين والمترجمين من كل الأعراق والأديان، وجسر التواصل بين العقول الشغوفة بالمعرفة والباحثة عن خير الإنسان وسعادته، ومنها انطلقت الحضارة العربية الإسلامية وسادت في العالم القديم لأكثر من خمسة قرون، وأهدت البشرية إنجازات عظيمة، ومهدت عبر إشبيلية وقرطبة وغرناطة للنهضة الأوروبية الكبرى.

 

مازالت فكرة الانفتاح الثقافي وتواصل العقول من أجل بناء مستقبل أفضل فكرة صحيحة، بل لعلها الفكرة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها لمواجهة تحديات كثيرة تواجهها البشرية.

 

اختبرنا هذه الفكرة في دولة الإمارات خلال الأربعين سنة الماضية. اهتممنا ببناء عقل الإنسان، وانفتحنا على عصرنا، واستقطبنا أفضل المواهب أيضاً، فأصبحت الإمارات اليوم نموذجاً لتعايش الثقافات ومركزاً رئيسياً عالمياً يربط بين جهات العالم الأربع. تضاعف ناتجنا الإجمالي أكثر من مائة وتسعين مرة خلال أربعين سنة فقط، وانتقلنا من دولة لا تمتلك أية جامعة لدولة تضم أكثر من سبعين جامعة. ومن دولة تضم موانئ صغيرة للغوص والصيد لدولة تتعامل موانئها مع أكثر من مائة حاوية في كل دقيقة، ويمر عبر مطاراتها أكثر من ثمانين مليون مسافر سنوياً. ومن دولة لم تكن تعرف التنظيمات الحكومية الحديثة إلى الدولة التي تتبوأ المركز الأول على مستوى العالم في الكفاءة الحكومية وفق تقرير المعهد الدولي للتنمية الإدارية في سويسرا.

 

اختبرنا هذه الفكرة أيضاً عبر تجميع العقول المبدعة في مدن متخصصة، مدينة للإنترنت، وأخرى للإعلام، وثالثة للخدمات الإنسانية، ومدن أكاديمية وصناعية ومناطق مالية، فأنتجت هذه العقول إبداعات أصبحت من خلالها الإمارات الدولة الوحيدة في المنطقة التي ينتقل اقتصادها بثبات وسرعة نحو اقتصاد المعرفة.

 

تواصلت عقول الآلاف من الخبراء والمتخصصين من داخل الدولة وخارجها على أرضنا، فرفعنا أطول بناء في العالم خلال زمن قياسي، وبنينا أكبر جزيرة من صنع الإنسان يمكن رؤيتها من الفضاء، ويعيش ويعمل فيها آلاف البشر. تواصلت العقول فبنينا أكبر شبكة مترو في العالم تعمل من غير سائق، وأنشأنا ثالث أكبر شركة طيران عالمية، وطورنا إحدى أفضل الحكومات الإلكترونية في العالم، وبدأنا في الانتقال إلى عصر الحكومة الذكية.

 

تواصلت العقول على أرض عاصمتنا فبنينا أكبر مدينة في العالم خالية من الكربون تضم أحدث المعاهد والعقول المتخصصة في علم الطاقة النظيفة. وتتواصل أيضاً عقول وثقافات وفنون العالم في العاصمة أبوظبي لتبني أكبر مدينة ثقافية وفنية تضم أجمل وأكبر المتاحف العالمية عبر سبعة وعشرين كيلومتراً مربعاً، في تأكيد إضافي على إيماننا بأهمية انفتاح الثقافات، وإمكانية تعايشها بوئام وسلام.

 

نعم نجحنا في دولة الإمارات في تطبيق فكرة أبدعها أسلافنا قبل أكثر من ألف ومائتي عام، واليوم نريد تطبيق هذه الفكرة على المستوى العالمي.

 

نريد استضافة “إكسبو 2020” في دبي تحت شعار “تواصل العقول وصنع المستقبل”؛ حدث عالمي تلتقي فيه ثقافات العالم وتجتمع إبداعاته. نريد استضافة أكثر من خمسة وعشرين مليون إنسان خلال ستة أشهر في دبي، ليروا خلال المعرض أفضل ما توصل له العقل البشري عبر مختلف أعراقه وثقافاته كافة. نريد أيضاً أن نجمع أفضل عقول العالم لتطرح حلولاً جديدة لتحديات عالمية لن نستطيع التعامل معها كدول متفرقة وكعقول منفردة.

 

ستتواصل عقول أفضل الخبراء في “إكسبو 2020” لطرح إبداعات جديدة للتعامل مع قضايا تؤرق البشرية، كاستدامة الطاقة واستدامة المياه.

 

وستتواصل العقول أيضاً لطرح حلول ذكية لابتكار أنظمة جديدة للنقل.

 

وسيجتمع أفضل المفكرين والمبدعين لابتكار نماذج عالمية جديدة لدفع عجلة التنمية الاقتصادية المستدامة، ولترسيخ الاستقرار المالي عبر اقتصادات العالم.

 

وَعَدْنا العالمَ بأننا سنبهرُه عندما تقدمنا بملفنا لاستضافة أكبر حدث ثقافي عالمي.. نؤكد اليوم وَعْدَنا، ونَعدُ العالم أيضاً بأننا سنحقق شعارنا في تواصل العقول لبناء مستقبل أفضل.

 

نريد من خلال تقدمنا لاستضافة هذا الحدث العالمي في العام 2020 أيضاً أن نوصل ثلاث رسائل مهمة:

 

الأولى للعالم، بأن منطقة الشرق الأوسط ليست منطقة توترات ونزاعات وحروب. تاريخها وجغرافيتها يقولان بأنها منطقة لالتقاء الحضارات وامتزاج الثقافات وصناعة الإبداعات. وستسترد منطقتنا دورها الحضاري عبر مبادرات من هذا النوع، مبادرات تستضيف فيها العالم، وتتواصل بإيجابية وانفتاح مع ثقافاته المتعددة، وتتعايش مع أفكاره، وتتفاعل مع شعوبه.

 

دولتنا كمثال تبعد ثماني ساعات فقط عن ثلثي سكان العالم، إنه قدرنا كمنطقة أن نكون في وسط العالم، وقدرنا أن نكون مركزاً لالتقاء الشعوب ووعاء تمتزج فيه الحضارات والثقافات، لتعطي البشرية إبداعات جديدة.

 

رسالتنا الثانية هي لأبناء شعوب منطقتنا التي تعبت من التوترات والنزاعات، نقول لهم إذا كان تواصل الثقافات المختلفة يبني مستقبلاً أفضل فكيف بتواصل أبناء الثقافة الواحدة والدين الواحد واللغة الواحدة؟ منذ أكثر من ستة عقود ونحن نسعى لتحقيق تواصل وتفاعل إيجابيين بين دول المنطقة وشعوبها، تواصل تتوحد فيه العقول قبل الحدود، وتنفتح فيه القلوب قبل أن تفتح الأسواق، وتتوحد فيه الإرادات قبل أن تتوحد فيه العملات.

 

نريد أن نحقق تواصلاً حقيقياً نبني عبره مستقبلاً أفضل لأبناء المنطقة وشبابها. حان الوقت لتستعيد فيه منطقتنا دورها التاريخي والحضاري. لقد حدد تاريخنا قدره بأن نكون أمة عظيمة، ويجب أن يجسد مستقبلنا هذا القدر.

 

رسالة أخيرة لحكومات مائة وست وستين دولة حول العالم ستصوت خلال شهر نوفمبر المقبل لاختيار الدولة الفائزة باستضافة “إكسبو 2020”. نقول لها: نحن جاهزون لاستقبال العالم في 2020، ونحن قادرون على تنظيم أفضل دورة في تاريخ هذا التجمع الثقافي العالمي، وتستحق هذه المنطقة التي تضم أقدم الحضارات وهي مهبط الديانات والوعاء التاريخي لمختلف الثقافات أن تحظى بتنظيم هذا المعرض العالمي الرائع.

 

كل الشكر للدول التي أعلنت دعمها لنا، ورسالتنا لشعوب العالم هي رسالة محبة وخير وسلام، وشعارنا سيظل دائماً أن تواصل العقول سيبني مستقبلاً أفضل للجميع.

 

نقلاً عن صحيفة "الامارات اليوم"

أضف تعليقك

     
الاسم:
عنوان التعليق:
التعليق: