ثورة مصر.. أسئلة غربية وإجابات عربية

  ممدوح طه

ممدوح طه
ما جرى في مصر من أحداث ومتغيرات منذ تفجر ثورة 25 يناير قبل عامين ونصف، وما يجري حاليا من أحداث ومتغيرات منذ انفجار ثورة 30 يونيو هذا العام، يطرح من التحديات المحددة والاستجابات المتعددة بقدر ما يستدعي من الأسئلة المحددة والإجابات المتعددة، لتوضيح معالم الطريق لما سيجري من أحداث ومتغيرات لاحقا،


في إطار الخارطة الواقعية لمستقبل مصر والمنطقة العربية والإسلامية.

 

ولهذا فإن المشهد المصري والعربي الحالي، المتباين المبادئ والمتناقض المصالح بين مكوناته، يتطلب منا الوعي العميق بحقيقة ما جرى فيه، والعمل الواعي والموحد من جانب القوى الشعبية وجيوشها الوطنية أصحاب المصلحة الحقيقية في الوطن والثورة، للرد على الادعاءات السياسية الغربية المضادة للثورة المصرية، والدعايات الفضائية الناطقة بالعربية ضد الإرادة الشعبية، للإمساك بحقائقه وآليات محركاته كي نستطيع توجيهه والتأثير فيه.

من ذلك أنه وسط مشاهد التحديات والاستجابات الداخلية والخارجية عقب ثورة 30 يونيو الشعبية، ومن بين ما طرحته من أسئلة مصرية وعربية، ترددت الأسئلة "الغربية" للحصول على إجابات تشكك في ثورية وشعبية ومشروعية أحداث تلك الثورة المصرية، بعضها ما طرحته على وكالة الأنباء الفرنسية "فرانس برس" عبر مراسلها في الإمارات العربية، في حديث وزعته على القنوات الغربية فقط كالتلفزيون الفرنسي والنرويجي!

كان السؤال الأول على ما أذكر: لماذا تدخل الجيش في السياسة المصرية؟ وهل هناك شرعية شعبية أو مشروعية دستورية لـ"الانقلاب العسكري الناعم" الذي جرى في مصر ضد رئيس مدني منتخب بغالبية شعبية في انتخابات ديمقراطية؟

وقلت وأقول، أولا: ربما لا يعرف الكثيرون في الغرب طبيعة العلاقة الوطنية العضوية بين الجيش المصري والشعب المصري، بقدر ما نعرف نحن في مصر على مدى تاريخ مصر. الجيش المصري هو جزء من الشعب المصري بكل أطيافه وطوائفه وطبقاته، وهو يختلف عن تكوين الجيش الفرنسي أو الإنجليزي أو الأمريكي الذي كان يعتمد على فرق المستعمرات الأجنبية، والآن يعتمد على مرتزقة غير وطنيين من شركات الأمن الدولية. وثانيا: الجيش المصري، هو جزء من "تحالف قوى الشعب" في مواثيق ثورة يوليو الأم لكل الثورات المصرية والعربية.

وهو ملك لإرادة الشعب المصري، وواجبه الوطني هو حماية أمن البلاد بنص الدساتير المصرية، في مواجهة كل التحديات الخارجية لحماية السلامة الوطنية، وجل الأزمات الداخلية لحماية الإرادة الشعبية، وهو في الحالتين يؤدي دوره الوطني وليس السياسي، لحماية الدولة والشعب والوطن، في إطار دوره الأساسي لحماية الأمن القومي.

وحينما انحازت القيادة العسكرية للغالبية الشعبية فلقد انحازت لشرعية الشعب وسلطة الشعب، أداء لواجبها الوطني والدستوري، فالجيش لم يقم بثورة، بل حقق إرادة الشعب بالثورة، وسلم السلطة لرئيس المحكمة الدستورية العليا طبقا لدستور 71 المعطل، ولم يتدخل في السياسة المصرية بأن انضم إلى حزب ضد حزب، بل انضم إلى غالبية شعب ضد رئيس فقد ثقة الشعب، وبالتالي فقد شرعيته!

كما أن الجيش الوطني غير المسيس لم يقم "بانقلاب عسكري" ليحكم، كما كان يروج الأميركان والغرب والإخوان (وتراجعوا الآن)، بل استجاب لإرادة الشعب بعزل من يتحكم، حينما قرر الثورة على الرئيس الذي يتحكم في إرادته وجماعته التي تتسلط على دولته، حماية لأمن البلاد بنص دستور 71 الذي لم يُلغ للآن، والذي ينص على واجب الجيش في "حماية النضال الشعبي"، علماً بأن الفارق كبير بين الانقلاب العسكري والثورة الشعبية، فالانقلاب العسكري هو مجرد استبدال حاكم مدني بحاكم عسكري بإرادة فرد أو مجموعة عسكرية ولصالح تلك المجموعة وحدها، بالقوة العسكرية والتحول إلى الديكتاتورية.

ولو ضد المصالح الوطنية وضد الإرادة الشعبية للغالبية، بينما الثورة هي حركة شعب بدعم جيشه أو حركة جيش بتأييد شعبه، لإحداث التغيير الجذري المطلوب بإرادة الشعب ولمصلحة الوطن، ولتحقيق الأهداف الوطنية والأهداف الشعبية ضد الاستبداد والاستغلال، وصولا لسلطة الشعب وهذه هي الديمقراطية..

وحول المواقف العربية قلت وأقول: لا نستطيع فصل "المشهد المصري" عن المشاهد العربية، لسببين الأول، أن ما هو مصري الآن هو نتيجة لما هو عربي وإقليمي، ونتائجه ستكون سببا في متغيرات عربية وإقليمية، كما أنه ليس منفصلا عما سبقه من تفجيرات وتغييرات عربية، ضمن خطة المؤامرة الكبرى لتقسيم الشرق العربي الإسلامي المسمى بـ"الشرق الأوسط".

والتي بلورتها القوى الصهيو أمريكية بنظرية الفوضى الهدامة عبر ما سمي بـ"استراتيجية ثورات الربيع العربي".. والثاني "أن ما جرى ويجري مصريا وعربيا عبر ذلك الربيع الغربي، استهدف ضمن أولوياته ركوب ثوراته وتصعيد حلفائه وأدواته الإخوانية إلى الحكم عبر الصناديق في الدول العربية الفاعلة، بالمال والدعاية وبوسائل مشروعة وغير مشروعة.

وبضغوط خشنة وناعمة، لإصباغ حكمهم بألوان شرعية زائفة، لتكون هذه الأنظمة الإخوانية الإسلاموية وسيلتها في إخماد "الإرهاب" ضد أميركا والغرب و"المقاومة" ضد إسرائيل. من هنا تقدمت الدول العربية التي كان عليها الدور التآمري الإخواني في الخليج العربي ضمن مسلسل ذلك الربيع المزعوم، مثل الإمارات العربية المتحدة والسعودية والكويت والبحرين، لدعم الثورة الشعبية المصرية، وهو ما رحب به الشعب المصري وقدره لهذه الدول الشقيقة السباقة إلى دعم إرادته.

وإقليميا، لم يكن مفاجئا لنا في مصر تلك الهستيريا السياسية والتخبط العثماني للحكومة الأردوغانية التركية.. بينما فاجأنا الموقف الإيراني الذي سارع بإعلان احترامه لإرادة الشعب المصري.

ودوليا، تخبطت الإدارة الأميركية والدوائر الأوروبية التي صدمت بانهيار خططها الربيعية على الأسوار المصرية، عبر نوع من الهستيريا الدعائية والتهديدات السياسية، في محاولة لإجهاض الثورة الشعبية عن طريق وصفها بالانقلاب العسكري، وبتشجيع حلفائها وأدواتها لإثارة الفوضى ومواجهة التغيير.. وقد وجه الرأي العام المصري دعوات عالية لفرض سيادة القانون على كل مظاهر الفوضى.

وتطبيق خارطة المستقبل الثورية، ورفض المعونة الأمريكية. وفيما لم يصدر عن روسيا سوى تصريحين وزاريين يحترمان إرادة الشعب المصري، امتلأت الميادين بصور الزعيم عبد الناصر والفريق السيسي، مع صور للرئيس الروسي بوتين، وترددت أنباء مصرية لم تتأكد عن زيارة قريبة للرئيس الروسي إلى مصر.. وهنا فالرسائل واضحة لكل من يهمه الأمر!

نقلاً عن صحيفة "الوفد"

أضف تعليقك

     
الاسم:
عنوان التعليق:
التعليق: