مصريون يبيعون أطفالهم مقابل 10 آلاف جنيه

  مصريون يبيعون أطفالهم مقابل 10 آلاف جنيه

دي برس المصري
الصباح- آيات خيرى وأحمد رجب - ربما تكون سمعت عن لص سرق طفلً ليبيعه، أو أب يمر بضائقة مالية فهدد ببيع أولاده، أو وقف بهم أمام مجلس الوزراء يحملون لافتات يعرضهم فيها للبيع، لكن يصعب عليك أن تصدق أن مجموعات كبيرة من الشعب صارت تمتهن"الاتجار فى الأطفال".


وفى هذه المغامرة تكشف "الصباح" قصص وحكايات مختلفة، بعضها منطقى والآخر لا يُصدق عن بيع الأطفال والاتجار فيهم، وسط حالة تقاعس حكومى عن التصدى لهذه الجريمة،التى يؤكد بعض فقهاء القانون، وخبراء علم النفس أنها تكشف عمق الأزمة فى المجتمع، وتهدد بخطر شديد على أمن البشر "المواطنين".

وبدأت رحلة البحث خلف عمليات بيع الأطفال بإعلان صغير، لصقه محررا "الصباح" فى عدة أماكن منها محطات المترو، والأتوبيس والقطارات،وفى الشوارع المزدحمة وبعض المناطق الشعبية التى يتردد عليها أناس كثيرون، مثل السيدة زينب والحسين.. الإعلان مكتوب فيه «أسرة لا تنجب الأطفال ومستعدة لتبنى أى طفل، أيا كان نوعه، بمقابل مادى 10 آلاف جنيه".

فى البداية هدفنا كان الكشف عن مافيا للاتجار فى الأطفال، لكننا فوجئنا أننا أمام وضع كارثى، وأن الاتجار فى الأطفال صار مهنة، وأفزعنا ما جاءنا من حالات، منها أب يبيع ابنته ليتزوج، وأم تبيع ابنها لأنها مريضة وتخشى الموت قريبًا ولا تجد من يعوله، وآخر مجرم يدير شبكة دعاوة تضم عددًا من السيدات ولا يمنعهن من الإنجاب لتبيع أطفالهن بعد الولادة، وآخر يدير مجموعات من الشحاذين وأطفال الشوارع ويتاجر فى الأطفال، وقد سجلنا كل هذه الوقائع بالصوت والصورة.

شبكة الدعارة ليس هدفها بيع الجنس فقط، لكن بالأساس هدفها إنجاب أطفال كثيرين وبيعهم، هكذا قال أحد العاملين بالشبكة، ويدعى م.م، خ ال حديث مع محررى «الصباح ،» بعدما بادر بالاتصال ليعرض عليهم طفل عمره 5 شهور، لأنه قرأ الإعلان وعرف أنهما يحتاجان طفلً.

وخلال التفاهم حول التفاصيل سأل«هل هيفرق معاكم إنه طفل شرعى أو غير شرعى؟ »، ولما استفسرنا منه ماذا يقصد؟، قال إن الطفل غير شرعى ونتج من علاقة غير شرعية بين رجل وامرأة هو يعرفهما، أنجبا على إثرها هذا الطفل.

فى البداية ظننا أن المسألة غلطة بين اثنين محبين، إلا أننا اكتشفنا أن لديه من يقوم بهذه الأعمال بشكل متكرر، حيث يستطيع أن يبيع لنا طفلً كل 9 شهور، ونصحنا ألا نركز كثيرًا فى مسألة إن كان الطفل شرعيًا أم ابن زنى لأننا نريد طفلً، وهو سيحقق حلمنا فى ذلك، ويستطيع أن يمنحنا 10 أطفال وليس واحدًا فقط.

وأضاف أن المبلغ ربما يزيد قلي لً لكى يستطيع أن يدفع لمن يقوم بهذه المهمة الشاقة، وقال «كفاية إنى هقنعهم يستغنوا عن ضناهم ويبيعوه لكم ،»ولما سألناه هل تضمن أن يضلوا موافقين على بيع الطفل لنا، قال لا يستطيعون الرفض فهذا عملهم، ويتقاضون عليه أجرًا، وقبل الأجر يتمتع كل منهما بالآخر، ونحن نوفر لهما المكان وكل شىء. فسألنا من تقصد بكلمة «نحن »، فرد قائ لً«نحن مجموعة واحدة نوفر لهم مكانًا يتمتعون فيه ويدفعون ثمن المتعة، أطفال لو حصل نصيب للإنجاب، وكدا نكون عملنا خير وبعنا الطفل للى محتاجه مثلكم، ولا خلاف على ذلك، لكنه لابد أن يرتفع المبلغ قلي لً .»

سيف، يبلغ من العمر 3 سنوات ويعيش حياة قاسية، لأن أمه السيدة ص.ن، مريضة بسرطان الثدى، تعمل فى إحدى العقارات بمنطقة الطالبية فى الجيزة، وهى لا تستطيع التحرك إلا قلي لً، وكان زوجها حارس ذات العقار، إلا أنه تعرض لحادث أليم ومات.

أما شهد فتبلغ من العمر 8 سنوات، تعى تمامًا أنها أساس الحوار، فعندما جلس محررا «الصباح » مع والد الطفلة فى حضورها، كانت تتدخل فى الحديث وتعزز صفقة البيع قدر المستطاع.

فى البداية استغربنا موقفها، لماذا تريد  الابتعاد عن والدها بأى طريقة، لكن الأب حكى القصة فبدا أن موقف الطفلة منطقى « لأن شهد طفلة مشردة بين أب وأم منفصلين منذ أكثر من 3 سنوات تقريبًا، تعيش مع والدها الذى لا يرعاها ولا يهتم بها، وأمها تركتها وذهبت إلى عالم آخر فى زيجة أخرى وطفلة ثانية .»

الأب ينشغل طوال الوقت بعمله، وهو يعمل فى أحد توكيلات السيارات، ولا يعطى الطفلة ما تحتاجه من وقت، فتقول «بابا مش موجود على طول »، لأنه يخرج إلى عمله فى الصباح الباكر كل يوم، ويتركها عند الجيران لأن أهله يبعدون عنه كثيرًا، وبذلك فالجيران هم الحل الوحيد المتاح.

وتتعرض شهد لمعاملة سيئة عند الجيران،الذين يضربونها ويهينونها ويعاملونها معاملة سيئة للغاية، بعضهم يضربها وبعضهم «يحرق جسدها بالشمع »، والأب يعلم كل هذا، لكن لا يستطيع فعل أى شىء، وعلى الرغم من أنها تعانى الأمرين عندهم، ولكن ليس أمامها حل آخر سوى أن تتحمل ما يفعلونه بها.

يقول الأب أ. ك، أنه يسكن هو وابنته فى شقة قانون جديد فى قرية شبرا منت بالجيزة، والشقة لا تحتوى على أى أثاث منزلى، وأمتعتهم متناثرة فى أرجاء الشقة، التى يفترشون أرضها لي لً للنوم، ويجلسون فى جوانبه نهارًا دون أى مقومات للحياة الآدمية بداخله.

وأضاف أن أحد أهم الأسباب التى دعته إلى التفكير فى بيع ابنته، هى المعاملة السيئة التى تلقاها عند الجيران، خاصة أن لديهم شبابًا فى سن خطيرة، وهو يخشى على ابنته أن يصيبها  مكروه عند هؤلاء الجيران.

وأكد أنه أنجب طفلتين أخريين غير شهد،لكنهما تُوفيتا بعد ولادتهما بوقت قصير، لأن زوجته كان لديها مرض فى الرحم، فتسبب فى موت الطفلتين، ولم يتبق له سوى شهد، وتمتم بصوت منخفض أنه يحمد الله على وفاة الطفلتين، لأن أم شهد كانت قاسية القلب، ولم ترع ابنتها ولم تحن عليها، وقالت لها فى إحدى المرات «أنا عندى بنتين ميتين وأنا بعتبرك التالتة »، وبالفعل تعتبرها ميتة فلا تسأل عليها، ولا تعلم عنها شيئًا.

وقال إنه حاول كثيرًا أن يتزوج، لكنه فى كل مرة كان يواجه مشكلتين أولاهما ابنته شهد وثانيتهما الشقة التى يسكن فيها، مضيفًا أن شاهد الإعلان الذى وزعه محررا«الصباح »، وتمنى أن يحدث ذلك ويساعد فى الزواج، بعدما يتخلص من شهد، ويضمن لها أسرة أفضل، وأيضًا يأخذ ال 10 آلاف جنيه ليؤجر بها شقة جديدة ويتزوج فيها.

وقال إنه مستعد لكتابة أى أوراق تُطلب منه لتثبت أنه أخذ المبلغ مقابل بيع ابنته فهو «لا يخجل من ذلك تمامًا بل يفعل خيرًا بابنته .»

تحرك الأب قليللآ وتحدثنا مع الطفلة فاكتشفنا مفاجآت، وهى أن الأب نفسه يعذبها، وكانت تلح على المحررين لتنتقل للعيش معهما فى نفس اليوم، وتترك حياة التشرد وتبدأ حياة جديدة، وقالت: «أنا نفسى أعيش وأجيب حاجات كتيرة محرومة منها »، وعندما سألناها عما تريد شراءه قالت«فستان .»

كمواطن عادى ربما لا يخطر فى بالك أن كلمات «جملة » و «قطاعى »، يمكن أن تُطلق على شىء خارج المعاملات التجارية وبيع السلع، لكن فوجئنا بأن هؤلاء يطلقونها على عمليات بيع الأطفال، فلو اخترت بالقطعة«طفلً واحدًا » له ثمن، ولو اخترته بالجملة«مجموعة من الأطفال » فالسعر ربما يرتفع قلي لًا، اضطررنا للصمت قليللآ لكى نستوعب الموقف، عندما اتصل بنا أ.ع، أحد الراغبين فى بيع أطفال، وأخبرنا بذلك.

فى البداية قال إنه يرغب فى بيع طفل واحد، لكن السعر يعتبر غير مجدٍ بالنسبة له، وطلب زيادته، وعندما أبلغناه أننا لا نستطيع دفع أكثر من ذلك فى الطفل الواحد، حتى نتمكن من شراء طفل آخر إن وجدنا، فبادرنا بالعرض «وإيه رأيكم فى اللى يجيبلكوا 4أطفال .»

وأضاف أن جميعهم أشقاء، أكبرهم 13عامًا، وأصغرهم 5 أعوام، مؤكدًا أنه لا علاقة له بالأمر هو فقط فاعل خير ويتوسط لإتمام البيعة، فهو فقط يعرف أم الأطفال، التى ترغب فى بيعهم.

وعندما سألناه عن سبب البيع، هل هى ظروف اقتصادية أم ماذا؟، فأجاب «لا علاقة لكم بالأمر، ولا توجد أسباب للبيع، والظروف الاقتصادية ليست سيئة، لكن هى عاوزة تبيع عيالها شىء ميخصكوش السبب .»

وأضاف وهو يتكلم عن صحة الأطفال، أن صحتهم جيدة جيدًا، ولا يوجد من بينهم من يعانى من أى أمراض، ولو أردنا نذهب ونختار بأنفسنا أطفا لً، هو سيوفر لنا ما نحتاجه وقتما نشاء.

واستطرد أن معظم الأطفال الذين يعرفهم ربما لا يجدون من يعولهم أو يتحمل ظروفهم الصعبة، لذلك لجأوا للعمل فى الشحاذة وما يشبهها.

من جهته قال أحمد مصلحى، المحامى ورئيس شبكة «الدفاع عن الطفل » فى نقابة المحامين، وهى لجنة متخصصة للدفاع عن الأطفال، إن مسألة الاتجار فى المخدرات تحتاج لتحركات جدية من الدولة لوقفها.

وأضاف أنه من أشهر الوقائع التى حدثت فى مصر، والتى لها ع اقة بالاتجار فى البشر، أنه كانت هناك عصابة فى حى السيدة زينب بالقاهرة تقوم باستدراج أطفال الشوارع من أحد المقاهى بحى السيدة، وكان يسمى ب «مقهى بيع الأعضاء »، ليتبرعوا بالدم مقابل10 جنيهات.

وأكد أن الأمر تطور إلى الاتجار فى الأعضاء البشرية، ثم بعد ذلك أصبح الأمر هو الإتجار فى البشر وبيع الأطفال مقابل مبالغ مالية، موضحًا أنه تم كشف هذه العصابة، وإلقاء القبض على اثنين من عناصرها، وصدر ضدهما حكم بالحبس 5 سنوات لاتهامهما باستغلال الأطفال والاتجار بالبشر، بينما هرب اثنان آخران، وقد حدثت هذه الواقعة بالتحديد فى عام 2012 . وقال إن التشريع المصرى ملىء بالقوانين التى تمع الاتجار فى البشر، مثل القانون 64 لسنة 2010 الذى يجرم الاتجار فى البشر، ومن قبله قانون 12 لسنة 96 ، الذى يجرم الاستغلال والاتجار أيضًا، بالإضافة إلى مواد كثيرة فى قانون العقوبات.

وأضاف أنه سبب انتشار ظاهرة الاتجار بالبشر هو غياب العدالة الناجزة فى مصر، وعدم تطبيق هذه القوانين التى تمنع الاتجار بالبشر، وانتشار الفقر والحالة الاقتصادية المتردية والعشوائيات والغياب الأمنى وارتفاع نسبة الطلاق والتفكك الأسرى، ما أدى ذلك كله إلى جعل الأطفال فريسة سهلة أمام عصابات الاتجار بالبشر.

وأضاف أن أشهر عصابات الاتجار بالأطفال تنتشر فى مناطق بعينها على رأسها«مرسى مطروح وسيناء »، مع الأخذ فى الاعتبار أن العقوبة فى الاتجار بالبشر تتراوح بين 25 سنة «مؤبد » وإعدام.

«القانون يُحرم الاتجار بالبشر ».. هكذا قال أحمد جاد المحامى، موضحًا أنه «أية معاملة من هذا النوع حرام شرعًا ومجرمة قانونًا، ولكن نادرًا ما يحدث ذلك، لأنه لم يعد هناك اتجار فى البشر، وكان هذا يحدث فى أسواق العبيد والجوارى فى الزمن القديم، فلم يعد ذلك موجودًا الآن .»

وأضاف أن القانون يحرم أى تعامل مادى بين شخصين لبيع وشراء الأطفال، كذلك فالقانون يُحرم التبنى، أى أن تتبنى طفلً وتكتبه باسمك ويحمل لقبك وتدفع مقابل مادى لهذا، فذلك يعتبر جريمة يعاقب عليها القانون كلً من البائع والمشترى.

وأوضح أن هناك فى القانون قواعد تسمى القواعد الآمرة، وأخرى المكملة، والقواعد الآمرة هى التى لا يجوز الاتفاق على عكسها، وهى تجرم تمامًا عملية الاتجار بالبشر بكل صورها وأشكالها، وهى عملية غير مشروعة وجرمها القانون.

وأكد أن ما تحرمه الشريعة الإسلامية يلتزم به القانون فلا تعارض بين الاثنين، وإذا حدث تعارض يكون القانون غير دستورى، والاثنان أكدا على تحريم عملية التبنى والاتجار فى البشر من الأساس.

وأوضح أن التبنى له أصول يُنفذ من خلالها، وأهمها أن يكون من دور الأيتام، وأن يتم الاتفاق على ذلك بين الدار والمتبنى، ويقوم بكتابة تعهد على نفسه بحسن رعاية الطفل، ويتسلم الطفل من النيابة بعد إنهاء جميع الإجراءات القانونية لذلك، ولا يدفع المتبنى مبالغ مالية مقابل عملية التبنى، ولا يستطيع أيضًا رغم هذا تغيير اسم الطفل، الذى تبناه ويظل الطفل يحمل اسمه الحقيقى دائمًا، وغير ذلك يعتبر مخالفًا للشرع والقانون.

وأكد أن القانون يبيح كفالة اليتيم، حيث يحق لأى شخص كفالة طفل يتيم، بتحمل مصاريفه كاملة وكل احتياجاته وهذا يحلله الشرع ويبيحه القانون.

وأضاف أن هناك عددًا من المؤسسات تنظم حملات توعية تتعلق بهذه القضية، ومن بينها ما تقوم به «وزارة التضامن الاجتماعى »حيث تقيم عدة ندوات وبرامج تثقيفية وحم ات توعية لمكافحة الاتجار بالبشر، كذلك لابد من فتح هذه القضية بشكل أكبر وعلى نطاق أوسع، نظرًا لما له من ضرر جثيم على المجتمع.

وأضاف أن تجارة البشر تشكل خطرًا شديدًا على الإنسانية وتعد جريمة منظمة ضد حقوق الإنسان، فقد بلغ حجمها حسب تقرير الجمعية العامة للأمم المتحدة حوالى٢٣ مليون ضحية فى مختلف أنحاء العالم.

ضمور فى الأعصاب الحسية...أول وأسوأ الأعراض التى ربما يتعرض لها الأطفال المعروضون للبيع، هكذا قالت عبير عبد الهادى، خبيرة علم النفس والاجتماع.

وأوضحت أن الأطفال الذين يتعرضون فى حياتهم لمثل هذه الظروف السيئة تتراكم فى داخلهم آثار سلبية كثيرة، تبدأ بالميول العدوانية وتنتهى برغبتهم فى العزلة، وعندما يكبرون يكونون أكثر مي لً لارتكاب الجريمة، والتى كثيرًا ما تكون قتل أهاليهم بغرض الانتقام. 

أضف تعليقك

     
الاسم:
عنوان التعليق:
التعليق: