مصر يما يا بهية

 

دي برس المصري
مصر ليست موقعا جغرافيا وسياسيا عاديا بالنسبة للمنطقة وللعالم، إنها سجل تاريخي حضاري طويل وفيها الآن على الرغم من كل الظروف الاستثنائية أكبر دولة في المنطقة العربية.

على مر التاريخ كانت مصر "أم الدنيا" ليس فقط بالنسبة لأبنائها بل لأبناء المناطق المحيطة بها شرقا وغربا وجنوبا، فيها قامت الحضارات والدول قديما وحديثا، وارتفعت على أرضها صروح المجد ما قبل التاريخ وما بعده.

تلك هي مصر، البلاد التي يجد ذكرها دائما صدى في وجدان الجميع القريب والبعيد، فهي منارة الحضارة والثقافة والقوة، وهي قاطرة المنطقة وسدها المنيع، هكذا كانت ولا تزل.

ومصر متحف تاريخي كبير مفتوح على ضفاف النيل وفي الصحاري والواحات، إنها أشبه بقصيدة خالدة، بلحن شجي ينساب من الروابي والبوادي والحارات والأسواق والمساجد ليصل إلى أصقاع الأرض، إنها الينبوع الذي استقت أجيال منه علما وفنا وثقافة وفخرا بما في ذلك تلك التي تعيش بعيدا عنه.

فماذا حلّ بمصر كي يفتقدها الزمن؟ لماذا لم نعد نسمع صوتها الشجي؟ وأناشيدها العذبة؟ ولم نعد نحظى بحضورها الوارف؟

لماذا تنطوي مصر على نفسها، حزينة كئيبة، جريحة كسيرة، وهي التي أتقنت مغالبة الريح وفيضان النيل وقسوة الطبيعة، وكل هكسوس غاز.

ما كانت مصر تتأخر، ما كان لها أن تسمح للرمال السافيات أن تؤخرها عن السير في درب الحضارة وفي المقدمة دائما منذ أن كانت الحضارة لغزا وسحرا وانجازا مستحيلا.

لقد علّم المصريون العالم الفن والكلام ولغة العطور والخيال. بأزاميلهم رأت العيون المندهشة الحائرة كيف تكتمل الصروح المتقنة، كيف ترتفع الأهرامات إلى عنان السماء كما لو أن قوة سحرية قد شيدتها في ذلك الزمن السحيق، فهل تأخر فجر مصر في عصرنا؟ هل أخلفت "هبة النيل" مواعيدها؟

لا يمكن لأحد أن يتجاهل مصر، أن لا يأخذها في الحسبان، أن لا ينتظرها، أن لا يرتجي منها أن تكون كما كانت دوما، منارة تشع على الجميع، ودرعا واقيا، وبنيانا مرصوصا لا يتزعزع.

يعلم الجميع أن أرض الكنانة تكتوي منذ زمن بجراحها وآلامها، تحترق من داخلها، ولأول مرة تدافع عن وجودها عن حياتها عن نيلها عن هوائها من أعداء داخلها، من أبناء يستنزفونها محاولين كتم أنفاسها ووأدها.

وذلك الذي تقاسي منه مصر، يحدث في الكثير من الأقطار الأخرى وربما بصورة أشد وأنكى، إلا أن تأثيره أكثر تدميرا لأن مصر قاطرة العرب الأولى، حين تكون معافاة يتعافى محيطها ويشتد عوده، وحين تغيب تلاحق الكوارث الجميع وتقض مضجعهم وتقطع السبل أمامهم.

ذلك هو قدر مصر أن تكون أم الدنيا، أم العرب، على الرغم من أنها ليست الأغني ولا الأكثر ثروة، هي ببساطة بذاتها بفقرائها ببسطائها بفلاحيها بعلمائها بمفكريها بجنودها، بمثابة الروح والقلب للمنطقة، فمتى ستنفض "بهية" عن طرحتها غبار الزمن؟ وتنزاح عنها هذه الغمة التي طال زمنها وتقرّحت منها العيون؟

أضف تعليقك

     
الاسم:
عنوان التعليق:
التعليق: