توحش مافيا تجارة الأعضاء البشرية في مصر: سعر الكلى يصل إلى 100 ألف جنيه إسترليني

 

دي برس المصري
في شهر (آب) الماضي، أصدرت المجلة البريطانية لعلم الإجرام «British Journal of Criminology» تقريرًا صادمًا عن تجارة الأعضاء البشرية في مصر، موضحًا أن مصر تعتبر من أكبر الأسواق في تجارة الأعضاء البشرية في العالم، وأن هذه التجارة آخذة في النمو.

 وفي دراسة صدرت عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، كشفت عن أن مصر تعد مركزًا إقليميًا للاتجار بالأعضاء البشرية، وصنف مصر ضمن أعلى خمس دول على مستوى العالم في تصدير الأعضاء البشرية مع كل من الصين، والفلبين، وباكستان، وكولومبيا. وتعتبر مصر الأولى على مستوى الشرق الأوسط.

 

ازدهار التجارة بالرغم من وجود حظر قانوني لها

 

يُذكر أن ثمّة قانونًا يُجرم تجارة الأعضاء البشرية، أُصدرَ في مصر عام 2010 وهو  القانون رقم خمسة لسنة 2010، بشأن تنظيم زرع الأعضاء البشرية، ولكنه يبيح التبرع بهذه الأعضاء.

 

وتنص المادة الرابعة منه على أنه «مع مراعاة أحكام المادتين (3،2) من هذا القانون، لا يجوز نقل أي عضو أو جزء من عضو أو نسيج من جسم إنسان حي لزراعته في جسم إنسان آخر، إلا إذا كان ذلك على سبيل التبرع فيما بين الأقارب من المصريين».

 

ويجوز التبرع لغير الأقارب؛ إذا كان المريض في حاجة ماسة وعاجلة لعملية الزرع، بشرط موافقة اللجنة الخاصة التي تُشكل لهذا الغرض بقرار من وزير الصحة وفقًا للضوابط والإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون».

 

وتنص المادة السادسة من القانون التي تُجرم تجارة الأعضاء البشرية، على أنه «يحظر التعامل في أي عضو من أعضاء جسم الإنسان أو جزء منه أو أحد أنسجته على سبيل البيع أو الشراء أو بمقابل أيًا كانت طبيعته. وفي جميع الأحوال لا يجوز أن يترتب على زرع العضو أو جزء منه أو أحد أنسجته أن يكتسب المتبرع أو أي من ورثته أية فائدة مادية أو عينية من المتلقي أو من ذويه؛ بسبب النقل أو بمناسبته، كما يحظر على الطبيب المختص البدء في إجراء عملية الزرع عند علمه بمخالفة أي حكم من أحكام الفقرتين السابقتين».

 

وبالرغم من تشديد العقوبات الواردة في هذا القانون، إلا أنه لم ينجح في درء هذه التجارة السوداء، فوفقًا للعديد من الدراسات الصادرة حديثًا، سواء المحلية منها أو العالمية، فإن تجارة الأعضاء البشرية في مصر تشهد ازدهارًا كبيرًا، وبخاصةعقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، ويرجع ذلك بشكل رئيس إلى الانفلات الأمني، وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

 

الأعضاء البشرية مقابل الجنس والمال

 

ونشرت صحيفة التايمز في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي تقريرًا بعنوان«تجار الأعضاء البشرية في مصر يغرون المهاجرين الأفارقة بالجنس والمال»، قالت فيه: إن سماسرة يعرضون مبالغ كبيرة من المال مقابل شراء «كلى» المهاجرين الأفارقة، في الوقت الذي تتظاهر فيه المستشفيات بعدم معرفتها بتلك الصفقات.

 

وكشفت الصحيفة عن تزايد الطلب على شراء الكلى، والتي يصل سعرها في بعض الأحياء إلى نحو 100 ألف جنيه إسترليني، وهو ما دفع التجار إلى اللجوء إلى فتيات الليل لإضفاء مزيد من الإغراء على صفقات بيع الأعضاء.

 

ونقلت الصحيفة عن أحد سماسرة بيع الأعضاء في مصر، يعمل قوّادًا أيضًا، قوله «الوصول إلى اتفاق لا يكون سهلًا؛ نجلب لهم النساء حتى يشعروا بأنهم في حالة جيدة».

 

وعن الأسباب التي جعلت مصر موطنًا لتجارة الأعضاء البشرية بالنسبة إلى الأفارقة تحديدًا، فقد قالت الصحيفة: إن «موقع مصر في منطقة وسط، في أكثر من مسار يتخذه المهاجرون الأفارقة نحو أوروبا، يجعلها المكان المثالي لتلك التجارة».

ففي أثناء استجواب بعض المهاجرين الأرتريين من قبل الشرطة الإيطالية، قالوا إن المهاجرين الذين لا يتمكنون من دفع أموال للمهربين، يتم بيعهم لبعض القبائل البدوية في سيناء «لحصد أعضائهم» مقابل 15 ألف دولار.

وفي إطار محاولتهم تأمين أنفسهم ضد المحاسبة وضد قانون 2010، الذي يجرم الاتجار بالأعضاء البشرية، فإن السماسرة يسعون في تلك الصفقات إلى الحصول على إمضاء اللاجئين على «استمارة قبول»؛ لإضفاء «الشرعية» على العملية، بحسب الصحيفة.

وعن دور الأطباء في هذه العملية، نقلت الصحيفة عن «شاكر»، وهو أحد السماسرة، قوله، إن«الأطباء لا يريدون معرفة أية معلومات؛ فهم يأخذون الأموال دون أسئلة».

قتل لأجل الأعضاء البشرية

وفي نفس السياق، انتشرت في شهر أبريل (نيسان) الماضي، عدد من الصور على مواقع التواصل الاجتماعي، لجثث تسعة صوماليين، عُثر عليهم في إحدى شواطئ مدينة الإسكندرية، وقد سُرقت أعضاؤهم.

وكانت الأسرة الصومالية، التي ضمت أمًا وابنيها الصغيرين، وستة أشخاص آخرين، قد فروا من الصراع الدائر في الصومال، قادمين إلى مصر؛ بنية الهجرة إلى أوروبا، وذلك قبل أن يتم اختطافهم من قبل مجهولين، وسرقة أعضائهم المهمة، كالكبد والقلب والكلى.

وفي شهر يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت الشرطة المصرية عن تمكنها من ضبط تشكيل عصابي، تخصص في تجارة الأعضاء البشرية، حيث تم ضبط سمسار يبلغ من العمر 38 عامًا، وبرفقته شخص آخر يساعده في اختيار الشباب، وإقناعهم بإتمام عملية بيع الأعضاء البشرية في موعدها، وإتمام التحاليل اللازمة للعملية.

وضُبط أربعة أشخاص داخل الشقة التي تقع في حي المرج بالقاهرة، وثبت بيعهم لأعضائهم البشرية، لكنهم لم يتمكنوا من الحصول على مستحقاتهم المادية المتفق عليها.

وكشفت تحقيقات الأجهزة الأمنية، عن أن السمسار الذي تم ضبطه، يعمل على إقناع الشباب الذين تترواح أعمارهم من 20 إلى 25 عامًا؛ إذ يعمل أغلبهم باعة جائلين في الطرق العامة، وتحديدًا في منطقة رمسيس والعتبة بالقاهرة، ويتم إغراء الشباب لبيع أعضائهم البشرية مقابل منحهم 15 ألف جنيه مقابل الكلية الواحدة.

وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2014، نشر موقع «سي إن إن» بالعربية، بيانًا تلقاه من وزارة الداخلية المصرية، يُفيد بإلقاء الأجهزة الأمنية القبض على شبكة تجارة أعضاء بشرية، تتخذ من مقهى بشارع الألفي في وسط القاهرة، مقرًا لإدارة عملياتها.

وتضم الشبكة أربعة متهمين يشتركون مع آخرين، تخصصوا في استقطاب المواطنين للتبرع بأعضائهم البشرية، مقابل مبالغ مالية.

وأسفرت تحريات مباحث قسم شرطة الأزبكية في القاهرة، عن ضبط المتهمين الأربعة، إضافة إلى اثنين آخرين من المتبرعين بأعضائهم وبحوزتهم مبالغ مالية، وإقرارات موثقة من الشهر العقاري تفيد بتبرعهما بكليتهما، وصور لتحاليل طبية، وعدد من بطاقات تحقيق الشخصية خاصة بمتبرعين آخرين.

ومما جاء في اعترافات الجناة، أن عمليات الاستئصال «تتم بمعرفة عدد من الأطباء بمستشفيات شهيرة».وأورد البيان أيضًا أنه بسؤال المتبرعين أقروا ببيع الكلى الخاصة بكل منهم بمبلغ يتراوح بين 20 إلى 25 ألف جنيه للكلية الواحدة.

سرقة الأعضاء البشرية

ولم تقتصر عمليات الاتجار على موافقة الأشخاص على التبرع بأعضائهم البشرية، وإنما هناك العديد من الحالات التي تم الكشف عنها، حيث تمت سرقة أعضاء بعض الأشخاص الراغبين في السفر للعمل بالخارج، أثناء قيامهم بإجراء بعض الفحوصات الطبية اللازمة لتلك الوظائف.

فيقول «أحمد حسين» أحد ضحايا مافيا الاتجار بالأعضاء، أن شخصًا عرض عليه السفر للخارج، حينما علم برغبته الشديدة في السفر، ولكنه طلب منه إجراء بعض الفحوصات الطبية والتحاليل كجزء من إجراءات السفر.

وبالفعل قام أحمد بذلك، ولكن الطبيب أخبره أن لديه حصوة في الكلية، وتحتاج جراحة لإزالتها؛ حتى يتمكن من السفر، وطمأنوه أن الجهة التي سيسافر إليها ستتحمل تكاليف العملية، على أن يقوم بتسديد هذه التكاليف عندما يسافر، فوافق على ذلك، وأجرى الجراحة، وبعد أسبوعين من خروجه من المستشفى، بدأ يشعر بإرهاق شديد وعدم قدرة على الحركة، وعندما ذهب لأحد الأطباء، قال له إن العملية التي أجريت له هي استئصال كلية، وليست إزالة حصوة.

وقال «طارق الشافعي»، إن أحدهم عرض عليه السفر للخارج بحجة احتياجهم إلى «فرّان ماهر» مثله، وبعد إجراء التحاليل الطبية، أخبره أنه يعاني من التهابات في الزائدة، ويحتاج إلى عملية لإزالتها، ثم طلب منه التوقيع على بعض الأوراق البيضاء، بحجة عدم تحمله لمسئولية العملية، مؤكدًا أنه مجرد إجراء روتيني.

 

وبعد خروج الشافعي من المستشفى بشهر، سقط مغشيًا عليه، ونُقل إلى أحد الأطباء؛ ليخبره أن المستشفى التي أجرت له عملية الزائدة قد سرقت كليته.

 

أما المواطن «عبد الراضي عمران»، والبالغ من العمر 53 عامًا، من محافظة الجيزة، فقد كان يعاني من مشاكل في العظام؛ ما دفعه إلى إجراء عملية جراحية، وبعد مرور ثلاثة أشهر، شعر بإعياء شديد وتوجه إلى الطبيب، الذي أبلغه أن كليته تم استئصالها.

 

التقرير البريطاني «الصادم»

 

وبالعودة إلى التقرير البريطاني المشار إليه في صدر هذا التقرير، والذي اشترك في إعداده «شين كولمب» الباحث في جامعة ليفربول البريطانية، الذي قضى أسابيع في القاهرة، لمقابلة السماسرة ومن يتخلون عن أعضائهم البشرية.

 

وقال «كولمب» إن «المهاجرين الأفارقة على رأس المستهدفين؛ حيث إنهم لا يبلغون عن الانتهاكات التي تحدث في حقهم؛ بالنظر إلى ارتفاع معدلات الأمية فيما بينهم، إضافة إلى وجودهم في البلاد بصورة غير شرعية؛ حتى يتمكنوا من خوض رحلة الموت إلى أوروبا عبر البحر».

 

وأضاف أن المستشفيات والمراكز التي تجري فيها تلك العمليات تتجاهل عمدًا مصدر «الأعضاء التي يتم زراعتها»، مُشيرًا إلى أنّه «بينما تحظر مصر شراء الأعضاء البشرية فإن بعض من قاموا بزراعة أعضاء بشرية دفعوا مبالغ تصل إلى 105 ألف دولار، في حين لا يحصل صاحب الكلية الذي يبيعها سوى على 40 ألف جنيه مصري، أي أقل من أربعة آلاف دولار».

 

ووفقًا لتقارير دولية، فإنّ 10 آلاف شخص يعبرون إلى أوروبا عبر البحر المتوسط من السواحل المصرية، ولكن حالات التبليغ للسلطات المصرية عن بيع الأعضاء البشرية نادرة، وحتى الجراحين المهرة الذين يقومون بتلك العملية لا يخضعون لأي ضوابط تحكم عملهم.

 

وأوضح كولمب أن هؤلاء الجراحين يغضون الطرف عن حقيقة أن كثيرًا من المهاجرين يتم أخذ أعضائهم رغمًا عنهم، وتحت التهديد، مشيرًا إلى أن الأطباء أنفسهم يحصلون على مقابل عملهم، دون أن يسألوا عن شرعيته.

 

وضع التجارة على المستوى العالمي

 

نشرت وكالة «سبوتنك نيوز» الروسية في شهر أبريل (نيسان) 2015، تقريرًا عن تفشي تجارة وتهريب الأعضاء البشرية، في العالم، وأوردت فيه أن تجارة الأعضاء البشرية في ارتفاع يومًا بعد يوم؛ «لأنها سوق محدودة ويتزايد فيها الطلب أكثر بكثير من المتاح والمعروض في السوق، وأن الطلب على الأعضاء البشرية المتبرع بها في الدول الغنية آخذة في الارتفاع بشكل أسرع بكثير من المعروض من الأعضاء في الدول الفقيرة».

 

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية، إلى وجود أكثر من 10 آلاف عملية بيع وشراء للأعضاء البشرية بالسوق السوداء سنويًا، ويعُتقد أن ما بين خمسة و10% من جميع عمليات زراعة الكلى على مستوى العالم، تجري عبر عمليات الاتجار والتهريب عبر الحدود.

 

وتشير الأرقام المبدئية إلى تحقيق هذه التجارة المُجرّمة أرباحًا تتراوح بين 600 مليون دولار إلى 1.2 مليار دولار سنويًا حول العالم، ولا تتوقف المخاوف حول الأرباح وحقوق الإنسان فقط؛ بل المخاوف تتزايد من تحولها إلى جريمة وصناعة منظمة، وسط تقارير تفيد بأن الكثير من الناس من البلدان الأقل نموًا على استعداد لبيع أعضائهم لتجار الأعضاء في بلادهم؛ من أجل المال، في حين أن هناك تقارير أخرى تفيد بأن العديد من البشر يتم قتلهم سعيًا لاقتناص أعضائهم وبيعها للعصابات وتجار الأعضاء البشرية من أجل الربح.

 

أسباب انتشار الظاهرة في مصر

 

وعن أسباب انتشار ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية في مصر، أشارت دراسة بجامعة الإسكندرية عام 2013 إلى أن ظهور مافيا الاتجار في الأعضاء البشرية في مصر، يرجع إلى حالة الفقر الشديدة التي يعاني منها الشعب المصري، ونقص التشريعات التي تجرم هذه التجارة المحرمة.

 

وتوضح الدراسة أن بعض الأطباء وجدوا في تجارة الأعضاء البشرية فرصة لتحقيق مكاسب مالية سهلة، مؤكدة أن 78% من المانحين المصريين يعانون من تدهور في حالتهم الصحية بعد العملية الجراحية، في حين إن 73% يعانون من ضعف قدراتهم على أداء الوظائف والمهام الصعبة التي تقتضي جهدًا شاقًا.

 

وعن الأسباب التي تدفع المصريين لبيع أعضائهم، أكدت الدكتورة «سامية خضر» أن أهم الأسباب التي تؤدي بالمصريين إلى بيع أعضائهم هو الفقر وقصور اللوائح والقوانين المنظمة والمتعلقة بالاتجار في الأعضاء البشرية أو التبرع بها، موجهة انتقادات حادة للمشرع المصري، حيث أوضحت أن العقوبة الحالية لا تتعدى سحب ترخيص مزاولة المهنة، لمن تثبت إدانته من الأطباء في مثل تلك العمليات.

ويقول محمد عبد العال (44 عامًا)، من محافظة سوهاج، إنه مع الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة فرص العمل وحاجته إلى المال، اضطر أن يبيع «فص الكبد» الخاص به مقابل 40 ألف جنيهًا.

وفي بحث ميداني أجراه المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بعنوان «صور الاتجار بالبشر في المجتمع المصري» رصد بيع الأطفال لأعضائهم – من خلال عينة مكونة من 400 طفل – وبالتحديد الكلى فقط، حيث باع طفلان كليتيهما مقابل 15 ألف جنيه لأحدهما، و25 ألف جنيه للآخر، والاثنان من الذكور في الفئة العمرية من 15 إلى 18 عامًا والاثنان من الذين تسربوا من مرحلة التعليم الابتدائي.

ووفقًا للعديد من التقارير، فإن الكلية هي أكثر الأعضاء البشرية مبيعًا في مصر، ويصل سعرها إلى 80 ألف دولار يتم توزيعها بين البائع والجراح وعدد من الوسطاء، بينما تعتبر قرنية العين من أفضل الأعضاء التي يمكن تهريبها؛ حيث يتم حفظها في ثلاجات معينة، ويمكن استخدامها خلال 24 ساعة من يوم استخراجها، بالإضافة إلى أنها ليست من العمليات المعقدة ولا تحتاج لأدوات كثيرة.

أضف تعليقك

     
الاسم:
عنوان التعليق:
التعليق: