Switch to: English

ثقافة وفن

15/10/2017 Share/Save/Bookmark
إرسال طباعة
العمارة هي الحياة

العمارة هي الحياة

(ليال المحمد - فرنسا)

عشرون مشروعاً معمارياً متميزاً قدمت صورة غير تقليدية عن دور العمارة

في بناء ودعم المجتمعات الانسانية في العالم الإسلامي

"العمارة هي الحياة"، هو الكتاب الذي أصدرته جائزة الآغا خان للعمارة في وقت سابق بمناسبة الإعلان عن المشاريع الفائزة بالجائزة في دورتها الثانية عشرة (قبل الأخيرة)، خلال حفل مهيب أقيم في خريف العام (2013) في العاصمة البرتغالية لشبونة.

يقع الكتاب في 352 صفحة من القطع المتوسط باللغة الإنكليزية، وهو من إعداد الباحث والمعماري محسن مصطفاوي، كما شارك في كتابته عدد من الباحثين والمعماريين المشاركين بلجنة التحكيم العليا واللجنة التوجيهية لجائزة الآغا خان للعمارة. والسيد محسن مصطفاوي هو معماري ومدرس وعميد كلية التصميم للدراسات العليا في جامعة هارفرد، كما عمل فيما مضى كمدير مدرسة العمارة في الجمعية المعمارية في لندن.

ويؤكد الكتاب من خلال المشاريع العشرين التي يقدمها، والتي اختارتها لجنة التحكيم العليا للترشح للجائزة من بين كافة المشاريع المعمارية التي تقدمت للجائزة والتي بلغ عددها الإجمالي 411 مشروعا، على دور العمارة في بناء ودعم المجتمعات الإنسانية، وخاصة في العالم الإسلامي، من خلال القضايا التي تطرحها هذه المشاريع والحلول المبتكرة التي تقدمها والتي ترتقي إلى مستوى العالمية، عوضا أن تكون محدودة أو مرتبطة بكل موقع على حدى.

ويؤكد الكتاب على أن المجتمعات المسلمة المعاصرة تعيش اليوم ضمن سياقات تتصف بتغيرات واسعة النطاق، وحوارات متداولة على الدوام حول موضوعي الهوية والوطن الأم. ومما لاشك فيه أن هذا الحوار ينعكس بطريقة أو بأخرى على العمارة، من خلال الأفكار الجديدة المبتكرة التي تقدمها، أو الدور الذي يمكن أن تلعبه في تعزيز العلاقة بين الإنسان والتاريخ الذي يمثله، والهوية التي يحملها، والوطن الذي يحتضنه.

ومن هذا المنطلق، تلخصت الأفكار الرئيسة التي سيطرت على محاور الجائزة في دورتها قبل الأخيرة، كما يطرحها الكتاب، في عملية الترميم كوسيلة لإعادة الإحياء والتكيف مع التقاليد؛ الاندماج في المجتمعات التي يعيش المسلمون ضمنها، كطريق لتوحيد البيئات المنفصلة، الحضرية منها أو الريفية؛ السعي لتحقيق التميز في التصميم ضمن امكانيات متواضعة أو ميزانية مالية منخفضة؛ واحتضان الشعائر والطقوس التي تعبر عن احترامنا وهيبتنا من الموت كوسيلة للتأكيد على أهمية الحياة والعيش المشترك.

ويطرح الكتاب مجموعة من الأسئلة غير النمطية التي تدور في فلك المحاور الأساسية للجائزة، وتتعلق بتاريخ وواقع ودور العمارة في حياة الشعوب، ويحاول أن يقدم الإجابات المناسبة عليها مستشهداً بالمشاريع العشرين التي يقدمها للقارئ، والتي تتضمن مجموعة من الأفكار المتميزة والمبدعة، تلخص رحلة طويلة من التخطيط والعمل والتعاون المشترك بين الخبراء والمعماريين والمهندسين والمخططين الحضريين وأصحاب القرار من جهة، وكافة أطياف المجتمع من جهة أخرى.

الترميم كوسيلة لإعادة الإحياء والتكيف مع التقاليد:
خلال عهود من الزمن، كانت عملية الترميم للمواقع الأثرية والتراثية القديمة تقود في أغلب الأحيان إلى إنشاء المتاحف والمواقع التي تعنى بتقديم الفضاء والأعمال التي بقيت موجودة رغم مرور الزمن بطريقة جامدة غير مرتبطة بالواقع الحالي. وكان الافتراض الدائم، حتى فترة قريبة، ان التقاليد هي أمر منفصل تماما وبشكل أكيد عن الحاضر. بل يذهب تأثير هذا الافتراض إلى أبعد من ذلك، ليحول الماضي إلى رفات، ويفصله تماما عن الحاضر.

في الواقع، لا يمكن اعتبار الترميم بأي شكل من الأشكال كعملية تؤدي إلى استرجاع البناء الأصلي، دون الاستفادة منه بشكل فعلي في تحقيق الاندماج مع الحاضر المتناثر. وبناء على ذلك، يقدم الكتاب مجموعة من المشاريع المتميزة والمبادرات الفريدة التي تلقي الضوء على التراث كواقع حي ومرن، وبهذا الشكل تؤكد على أهميته كفرصة واعدة يمكن أن تحقق الاستثمار في الحاضر بطريقة تحمل الكثير من المعاني. الهدف بالنتيجة هو تمكين الناس من الإمساك بدفة القيادة والشعور بالمسؤولية نحو التاريخ الذي يملكونه، واعتباره تقليداً حياً.

يقدم الكتاب عدة أمثلة متميزة من العالم الإسلامي، التي تعكس هذه الفكرة المتجددة عن عملية الترميم للمواقع التاريخية القديمة، وكيفية الاستفادة منها في بناء وتعزيز مفهوم التعاون والتشاركية بين كافة أطياف المجتمع، وإعادة إحياء التقاليد والحرف اليدوية القديمة التي كانت في طريقها للزوال. ومن هذه الأمثلة مشروع ترميم وإعادة الإحياء المادي والثقافي للمركز التاريخي لمدينة بيرزيت في فلسطين، الذي قام بتنفيذه مركز المعمار الشعبي (رواق)، وهو مؤسسة فلسطينية أهلية غير ربحية تهدف لحماية الممتلكات الثقافية والمعمارية والطبيعية في فلسطين.

عمل هذا المشروع الذي استغرق نحو خمس سنوات على إعادة إحياء مدينة بيرزيت المتداعية، وخلق فرص عمل جديدة لسكان المدينة من خلال عملية الحفاظ على الموقع، وأدى بالنتيجة لإحياء حرف تقليدية كانت في طريقها للزوال. وقد تم إشراك المجتمع المحلي في المشروع منذ بداياته، وشمل العمل المنظمات المحلية غير الحكومية، والقطاع الخاص والمالكين والمستأجرين، والمستخدمين للموقع، وقد عملوا جميعاً  جنباً إلى جنب مع بلدية المدينة.

قام المشروع بإعادة تأهيل المباني التاريخية والفضاءات العامة وتحويلها إلى أماكن لنشاطات المجتمع، بينما بقيت الأجزاء البديلة من الجدار قابلة للتميز عن الأبنية الأصلية، من دون التعدي على النسق المعماري المتكامل ضمن الموقع. كما تم استخدام الوسائل التقليدية المتاحة والمواد المحلية في كامل أجزاء المشروع. أما العناصر المعمارية المفقودة، فقط تم استعادتها مجددا، عند توفر الأدلة الكافية، بشكل مطابق تماما للوضع الذي كانت عليه في السابق. بينما تم استخدام عناصر جديدة بروح معاصرة وبشكل جرئ في الحالات التي لم تتوفر فيها نماذج تاريخية للعناصر المعمارية المفقودة.

ومن الأمثلة الأخرى المتميزة التي يقدمها الكتاب، مشروع إعادة تأهيل حصن ناغار في إقليم راجستان في الهند، الذي يعود بناؤه لأوائل القرن الثاني عشر، و يقع في قلب المدينة القديمة من ناغار، التي تعتبر إحدى أوائل معاقل المسلمين في شمال الهند. تضمن مشروع إعادة تأهيل هذه القلعة العديد من التدخلات، منها تدريب العديد من الحرفيين في المنطقة على الالتزام بقواعد العمل بأقل التدخلات الممكنة في الموقع. كما عمل المشروع على إعادة اكتشاف واستخدام المواد وطرق الإنشاء السابقة، والمحافظة على العناصر المعمارية والرسومات الفنية، إضافة لإعادة بناء وإحياء النمط التاريخي لعملية الدخول إلى الموقع عبر سبع بوابات متعاقبة.

من ناحية أخرى ركز المشروع بشكل كبير على عملية العثور على نظام المياه المعقد وإعادة ترميمه من جديد. ونتيجة لذلك يتضمن الموقع اليوم نحو 90 نافورة تجري فيها المياه، كما تجري في الحدائق والمباني، ولم تكن أياً منها قيد العمل عند بدء المشروع. واليوم، تؤدي مباني وفضاءات هذه القلعة، الداخلية منها والخارجية، دوراً ثقافياً جديداُ ومتميزاً، من خلال احتضانها لمهرجان الموسيقى الصوفية كل عام.

العمارة ودورها في تحقيق الاندماج بين المجتمعات:

تعيش المجتمعات المسلمة في بيئات متفاوتة، حضرية وريفية. وبينما تتفاوت العناصر المعمارية التي تميز البيئة المبنية بين المجتمعات الريفية والحضرية، مع تفاوت البيئة الاجتماعية والثقافية والطبيعية الحاضنة لها، تبدو مشاريع البنى التحتية موضوعاً منفردا يستحق الوقوف عنده. إذ تعمل مشاريع البنى التحتية على تخديم أفراد المجتمع ككل، وتربط في أحيان كثيرة بين المجتمعات ضمن المدينة الواحدة، أو بين المدينة والمناطق الريفية المجاورة لها في نفس الوقت.

ولاشك أن الجسور في طليعة مشاريع البنى التحتية التي يمكن الحديث عنها كمثال يعزز بوضوح المقولة السابقة. إذ تصل الجسور بين المجتمعات، على الصعيدين المعنوي والمادي، وتساهم في ترسيخ التكامل بين ثلاثة عناصر تعتبر على قدر كبير من الأهمية، وهي: التصميم العام، البنية التحتية والمنظر الجمالي. وضمن السياق العام الذي يرى في الجسور الضخمة عنصراً مهدماً، ضمن نسيج المدينة وشكلها الجمالي، يبرز بوضوح ذلك الجسر الذي يلامس الأرض برفق ويسعى لخلق فضاءات مناسبة لتنفيذ النشاطات الراجلة تحت بنيانه.

ويقدم الكتاب مثالا جميلا لمثل هذا النوع من المشاريع، من خلال التركيز على جسر الحسن الثاني والمشاريع الحضرية المرتبطة به في المغرب، الذي كان واحداً من المشاريع الخمسة التي فازت بالمحصلة بجائزة الآغا خان للعمارة. وقد ولد هذا المشروع، الذي يربط بين مدينتي الرباط وسلا، ويشكل محوراً حضرياً متميزاً، كنتيجة لرؤية حديثة في عملية التجديد الواسعة النطاق،  التي تعتمد على تحسين وسائط النقل وشبكات الطرق، وهما المكونان الأساسيان للمشروع، ضمن خطة حضرية أكبر، تعمل على توليد مشاريع محددة للبنى التحتية، التي يمكن أن تترك على الفور أكبر أثر ممكن في حياة السكان في كلتا المدينتين.

ورغم أن المشروع يعمل على تقديم طرق النقل المناسبة للعربات، والحافلات الكهربائية، والمشاة، التي تربط بين المدينتين، إلا أن تصميم المشروع  لازال يحترم الامتداد الافقي والكثيف للأبنية والبيئات الطبيعية ضمن المنطقة، ما يسمح لبرج حسن في الرباط، والذي يعود للقرن الثاني عشر من الظهور وهو يرتفع بشموخ كخلفية جميلة تضفي نوعاً من السحر والجاذبية على مشهد الجسر. ويتألف الجسر من ثلاثة ممرات منفصلة على نفس الارتفاع والمستوى، وتدعم كل واحدة منها عدد من القناطر المبنية. وبالإضافة لدوره الرئيسي في تأمين البنية التحتية للمواصلات والنقل، يساهم بناء الجسر في تأمين سقف حضري فوق الأراضي المنبسطة على ضفتي نهر أبي الرقراق، مؤمناً مساحة عامة محمية للأسواق والنشاطات العامة خلال أوقات الفرغ. 

يعتبر المشروع محصلة ناجحة تجمع بين كل من التصميم النموذجي للجسر، وتحسين البنى التحتية، والتخطيط الحضري. وقد أصبح جسر الحسن الثاني رمزاً جديدا مذهلا لكل من الرباط وسلا، مشدداً على الحداثة، والنمو، وهوية المدينتين التوأم، وفي الوقت نفسه مشكلا قاعدة واضحة لمشاريع تطوير البنى التحتية المستقبلية في المنطقة.

تميز في التصميم وميزانية مالية متواضعة:


هل من الممكن أن يجمع مشروع صغير الحجم بميزانية متواضعة بين الأداء والتصميم، وأن يتم استخدامه مع المحافظة على عنصر الجمال، وأن يحقق حالة من التميز؟ هل من الممكن أن تعمل العمارة، وهي التي عرفت على مر التاريخ كنشاط بشري يساهم إلى حد كبير في تدمير البيئة، على الجمع بين الصغر في الشكل والعظمة في الابداع، على نحو يمكننا من استهلاك الطاقة بكميات منخفضة للغاية إلى جانب الاعتماد على موارد يتم الحصول عليها من خلال عملية إعادة التصنيع؟

يقدم الكتاب، من بين المشاريع التي اختارتها لجنة التحكيم العليا للترشح للجائزة في وقت سابق، عدة أمثلة ملفتة عن مجموعة من الأبنية التي استطاعت بوسائل مبتكرة تحقيق هذه المعادلة الصعبة، والاستفادة من كل الموارد الموجودة أصلا والتي لم يكن بالإمكان استخدامها، أو المعدات والتجهيزات التي كانت معدة للإتلاف، في إنجاز أبنية تعليمية وصحية، يمكن أن تعتبر نماذجاً يحتذى بها من حيث التجهيز، والشكل والدور الذي تلعبه.

من بين هذه المشاريع الملفتة يبرز مركز السلام لجراحة القلب في مدينة الخرطوم بالسودان، وقد كان هذا المشروع أيضاً من بين المشاريع الخمسة التي حصلت على جائزة الآغا خان للعمارة في دورتها الأخيرة. والمركز عبارة عن مشفى بسعة 63 سرير ويعمل فيه نحو 300 موظف محلي، كما يضم سكنا منفصلا للطاقم الطبي يؤمن خدمات الإقامة لنحو 150 شخص. وقد كان موضوع إقامة الكادر الطبي والخدمي ضمن المشفى حاجة ملحة لتحقيق المزيد من الرعاية والمتابعة للمرضى.

بعد أن اطلع المعماريون على الحاويات التي كانت تستخدم لنقل مواد البناء الخاصة بالمشفى، والتي تم إهمالها بعد الانتهاء من العمل، توصلوا إلى فكرة إعادة استخدامها مجدداً كأماكن للسكن لموظفي المركز. وبناء عليه، تقدم اليوم 90 حاوية تبلغ مساحة كل واحدة منها نحو 20 قدما خدمات السكن للموظفين، ويضم كل مسكن ايضا حماما وشرفة صغيرة تواجه الحديقة. كما تحتوي سبع حاويات مساحة كل منها نحو40 قدما على كافتيريا ومراكز للخدمات. وقد تم توفير نظام خاص للعزل الحراري ويتكون من رقائق عازلة داخلية وقشرة خارجية تحتوي على سقف معدني ذي تهوية وستائر من الخيزران. كما تقدم رقائق شمسية الطاقة اللازمة لنظام تسخين المياه. 

لقد استطاع هذا البناء، بطريقة مبتكرة، تحويل مجموعة كبيرة من الحاويات التي تعتبر ضمن ثقافة المستهلك كمنتج لا يصلح إلا للنفايات، إلى مادة مناسبة للبناء ومرضية من حيث الشكل الجمالي، ومنخفضة من حيث التكلفة، ويمكن استخدامها ضمن أكثر المرافق الصحية حاجة في المجتمع، والتي تقدم أفضل درجة من الرعاية للمرضى.

أما مدرسة شارل ديغول الفرنسية في دمشق، سورية، فيقدمها الكتاب كمثال آخر عن كيفية الوصول إلى حلول مبتكرة لتحقيق أنظمة التهوية والتبريد والتدفئة من دون استنزاف البيئة الطبيعية المحيطة، أو استخدام وسائل الطاقة التقليدية التي تتطلب الكثير من التجهيز، والصيانة والتكلفة. فعند تصميم مرافق هذه المدرسة، اعتمد المصممون على نظام التهوية الطبيعية في البناء، رغم التعقيدات الدقيقة التي يمكن أن تواجه هذا القرار والحلول التي وضعوها.

وقد تم استخدام بناء المدرسة والحديقة المحيطة بها لتوليد مناخ لطيف يزود الهواء البارد ضمن نظام خاص للتهوية عبر شبكة من الأنابيب التي تعمل على توزيع الهواء الصاعد الذي تسببه المداخن الشمسية الموجودة أصلاً في البناء. أما الجدران فقد تم بناؤها ضمن طبقتين لتقوم بوظيفتها في التدفئة والتبريد: وتضم طبقة من الاسمنت القاسي من الداخل، وطبقة من القرميد الاسمنتي اللطيف من الخارج، ويفصل بينهما جيب هوائي عازل.

مقبرة إسلامية على سفوح جبال الألب:


ينتشر المسلمون اليوم في كافة أنحاء العالم، من أقصى الشرق حتى أقصى الغرب، ولطالما شكلت الهوية الثقافية والدينية للمسلمين في دول المغترب قضية هامة وحساسة تستوجب الكثير من التفكير والعناية. إذ يجد المسلمون في دول المغترب من الضروري الحفاظ على التقاليد والطقوس التي يحملونها من بلدهم الأم، والتي تعبر عن هويتهم الأصلية، وفي الوقت نفسه احترام الثقافات والبيئات الغريبة التي يعيشون ضمنها، والتي منحتهم الهوية الجديدة المكتسبة. وينطبق هذا الأمر على الأبنية المخصصة لممارسة شعائرهم الدينية الخاصة، مثل المساجد والمقابر.

ويسلط الكتاب الضوء على نموذج ملفت، حيث يعبر فيه المسلمون عن هويتهم الثقافية والدينية في النمسا من خلال بناء مقبرة إسلامية على سفوح جبال الألب. وتقع هذه المقبرة في منطقة فورارلبيرغ، وهي مقاطعة تقع في أقصى الغرب من النمسا وتشتهر بالصناعة، ويشكل المسلمون نسبة تزيد عن 8% من تعداد السكان فيها. ورغم أن مجتمع المسلمين في النمسا يملك تاريخاً ضارباً في القدم في البلاد، إلا أنهم لم يتمكنوا من دفن موتاهم وفقاً للشعائر الإسلامية حتى فترة قريبة من الزمن. قبل ذلك، اعتاد المسلمون، وخاصة من الجيلين الأول والثاني، على ارسال جثامين موتاهم إلى بلادهم الأصلية، او دفنهم في مساحة اضافية ضمن إحدى المقابر الموجودة أصلا من دون تطبيق الشعائر الاسلامية في عملية الدفن.

ويبدو الالهام في هذا الموقع من خلال تصميمه الحدائقي، وأقسامه الرئيسة وجدرانه الاسمنتية الوردية المتفاوتة الارتفاع والشكل والتي تفضي إلى خمس مساحات متتالية للدفن تم توجيها نحو الكعبة المشرفة، ومجموعة من غرف الوضوء، وغرف التجمع التي تفضي الى الباحة الداخلية للمقبرة، وغرفة للصلاة. أما الزوار فيتوجب عليهم عند الدخول إلى المقبرة المرور ضمن مساحة خاصة للتجمع والقاء التحية، وقد زينت جدران هذه الردهة بعدد من الأعمال الخشبية التي صممت على الطراز الهندسي الإسلامي.

من خلال البساطة في التعبير والشاعرية في الشكل، لم تشرك هذه المقبرة الطبيعة المحيطة بطريقة ذكية وراقية فحسب، بل تمكنت من استبعاد أي  انطباع مسيئ عند التعبير عن حقيقة هذا المكان. وبينما تعزز المقبرة الاسلامية من مفهوم التعددية الروحية، فإنها تشكل أيضاً المحطة الأخيرة لمجموعة من الأقليات، في مجتمع تشكل فيه الطوائف الأخرى الأكثرية.

بالمحصلة، يعد كتاب "العمارة هي الحياة" مرجعاً جديداً للعمارة الإسلامية المعاصرة التي تقدم نفسها في روح جديدة تتناسب مع التحديات التي يفرضها التطور المستمر لمفهوم العمارة في العالم. كما يوثق الكتاب المشاريع العشرين التي ترشحت للحصول على جائزة الآغا خان للعمارة بقالب أنيق، ومجموعة رائعة من الصور والمخططات والمعلومات المفصلة عن هذه المشاريع.

الجدير بالذكر أن جائزة الآغا خان للعمارة هي واحدة من أهم الجوائز المتخصصة بالعمارة في العالم، وتبلغ قيمتها المالية مليون دولار أمريكي، وتمنح مرة واحدة كل ثلاث سنوات للمشاريع التي لا تبرز قدراً كبيراً من التميز في العمارة فحسب، بل وتعمل على تحسين نوعية الحياة بشكل عام. وتهدف الجائزة إلى تحديد وتكريم كافة أشكال مشاريع البناء التي تؤثر على البيئة المبنية اليوم، من المشاريع المتواضعة والصغيرة الحجم، حتى المشاريع الضخمة.

وسوف نتحدث في مقال قادم حول كتاب "العمارة والتعددية"، الذي صدر بمناسبة الإعلان عن المشاريع الفائزة بجائزة الآغا خان للعمارة في دورتها الثالثة عشرة، والتي تم الإعلان عنها العام الماضي خلال حفل كبير أقيم في قلعة الجاهلي في مدينة العين في دولة الإمارات العربية المتحدة، وحضره الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، وسمو الآغا خان، مؤسس ورئيس شبكة الآغا خان للتنمية وجائزة الآغا خان للعمارة ، ورئيس الجنة التوجيهية للجائزة.

شارك برأيك !
     
الاسم:
عنوان التعليق:
التعليق:
     

الطقس في سوريا

دمشق


لطيف
القصوى: 28°
الدنيا: 14°
الرطوبة: 68%
<< حالة الطقس في بقية المحافظات السورية
الأكثر قراءة الأكثر تعليقاً الأكثر إرسالاً

هل ستنجح إجراءات الحكومة السورية الجديدة في خفض الأسعار خلال شهر رمضان؟




ساحة الحوار    
    مختارات
هل كان المتنبي على حق؟
عبد الفتاح العوض
قوبية استفتائية
غادة النور
ممنوع الدخول .. جنسيتك سورية ..!!
الدكتور نور الدين منى
فضيحة "المناهج التربوية"غيت أو (تسونامي المناهج..!!)
الدكتور نور الدين منى
هل هو شهيد ...؟؟!!
الدكتور نور الدين منى
قانون الندم!
عبد الفتاح العوض
حملة بصورتك لون علمك
Review www.dp-news.com on alexa.com
الرئيسية | سياسة | أخبار سورية | أخبار مصر | اقتصاد | كأس العالم | تحقيقات | شارك | بورصة ومصارف | رياضة | تنمية | منوعات | ثقافة وفن | صحة | عقارات | سيارات | سياحة | علوم واتصالات | برس ريليس
هيئة التحرير | لمحة | الإعلانات | الاتصال بنا