قبل "الوحدة الوطنية" التي صنعها أبناء رابح سعدان طيلة مسيرة المنتخب الجزائري إلى كأس العالم في جنوب أفريقيا، اتسم العقد الحالي بتفجر الانتفاضات والهزات منذ المسيرة التي نظمها ما كان يعرف بـ "عروش منطقة القبائل" في 14 حزيران 2001 بالعاصمة، والتي شكلت أكبر تحد لمرسوم حالة الطوارئ، إذ كسرت المحظور وسخرت من القانون، للمرة الأولى منذ مسيرات "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" المحظورة في مطلع تسعينات القرن الماضي.
وفتحت مسيرة العروش الشهيرة الطريق واسعة أمام ضحايا سوء الإدارة والتهميش والحرمان، من أبناء الجزائر العميقة، كي يعبروا عن معاناتهم بصوت مرتفع، وبطرق وأساليب تجاوزت حدود ما يسمح به القانون، لأن المتضررين من احتجاجاتهم، كانوا مواطنين مثلهم، طال ممتلكاتهم التخريب، أو حرموا من التنقل لقضاء حوائجهم.
ومع ذلك تجاهلت الحكومة مطالب هؤلاء إذ حمل رئيسها أحمد أويحيى المسؤولية لمن أسماهم "أصحاب الريع والسياسيين"، وتعهد إثر الاحتجاجات التي أعقبت آخر قرار برفع أسعار الوقود، بـ"تطبيق القانون بصرامة لاستعادة النظام والأمن". ولم يكن هذا التصريح مجرد موقف عابر من حركة احتجاج بعينها، فقد عاد أويحيى في تصريح آخر ليهدد المتسببين في "موضة" الاحتجاج عبر قطع الطرق، بتسليط أقسى العقوبات عليهم. ولم يتطرق إلى مسؤولية الجهاز التنفيذي في التوزيع العادل للثروة، والمسؤولين المحليين في تعطيل المسيرة التنموية، مما دفع الناس إلى العصيان.
ولم يكن تعاطي الوزير الأول مع الاحتجاجات الاجتماعية التي شهدتها الجزائر في السنوات الأخيرة مختلفا عن غيره من أفراد الطاقم الوزاري، إذ سبق لنائب رئيس الحكومة الحالي نور الدين (يزيد) زرهوني، أن نحا باللائمة عندما كان وزيرا للداخلية، على الجمعيات ومكونات المجتمع المدني، متهما إياها بـ "التقصير"، على خلفية عدم مساهمتها، كما قال، في تطويق الأحداث التي عاشتها مدينة وهران بعد نزول ناديها الأول "مولودية وهران" إلى القسم الثاني. والأرجح أن مشاكل السكن والتوظيف وزيادة الأجور وضعف القدرة الشرائية والجامعة والمدرسة ... تشكل صواعق تُفجر حركة الشارع بين وقت وآخر وتُهدد الاستقرار الاجتماعي.
ويعتبر علماء الاجتماع الجزائريون أن قطاع التربية هو أكثر القطاعات تسجيلا للاحتجاجات وخروج موظفيه إلى الشارع، "فالوضعية المزرية للمدرس ابتداء من الراتب الزهيد إلى الضغط الاجتماعي إلى أزمة المدرسين المتقاعدين دفعت بالمعلقين إلى القول بأن المدرسين أصبحوا يقضون أوقاتهم في الشارع للاحتجاج أكثر مما يقضونها في الفصول للتدريس، بل هم نقلوا عدوى الاحتجاج والخروج إلى الشارع لتلاميذهم، إذ صنع طلاب الثانويات بمآزرهم البيضاء الحدث خلال السنوات الثلاث الأخيرة بمسيرات طالبت بإصلاح إصلاحات بن بوزيد (وزير التربية)" كما قالت الباحثة طاوس عبد الباقي.
أما الظاهرة الجديدة التي أشارت إليها طاوس عبد الباقي فهي "التقليد" الذي أصبح يسبق ويتبع مسابقات الانتداب في مختلف القطاعات، إذ كثيرا ما تندلع مظاهرات المرشحين من خريجي الجامعات الجدد وحاملي الشهادات العليا بعدما حاصرتهم البطالة والتهميش والفقر وباتوا يعيشون تحت ضغط هاجس لوائح الناجحين في المسابقات، إذ أنهم يشكون من أن تلك اللوائح تكون جاهزة قبل إجراء المسابقة وفق معايير الواسطة والزبونية والرشوة. وعادة ما تكون هذه المظاهرات ناجحة ومنظمة بدقة، إذ سبق لهذه الفئة من المتظاهرين أن عبّرت عن مطالبها في الشارع بعد أن ضاقت بها الجامعات أثناء التدرج في ظل مشاكل الخدمات الجامعية وتدني مستوى التكوين وابتزاز الأساتذة، وإن كانت مفردة "الحقرة" (الاحتقار) السبب الرئيسي في خروج غالبية الجزائريين إلى الشارع والإجماع على شعار "لا للحقرة" الذي كان أهم لافتة ترفع في مسيرات المتظاهرين.
اسرائيل وحدتهم
ولئن ثبطت حالة الطوارئ ومنع المسيرات عزيمة الجزائريين في التعبير عن أفراحهم وأتراحهم في الشارع، فإن العدوان الإسرائيلي على أسطول الحرية وقبله الحرب على غزة، وحد المصلين في مساجد العاصمة ليستجيبوا لدعوة الشيخ يوسف القرضاوي ويشاركوا باقي المسلمين في عواصم العالم في مسيرات "جمعة الغضب" ويكسروا بذلك قرار منع المسيرات في العاصمة بعد أكثر من ثماني سنوات من فرضه، ربما لأن مكانة القدس والقضية الفلسطينية في قلوب الجزائريين تحدت كل الموانع السياسية. ويمكن القول إن كثرة المسيرات التلقائية التي تتفجر في الجزائر من دون سابق إعداد أو تخطيط يُعزى إلى الموانع التي يتضمنها قانون حالة الطوارئ، وهو يستند إلى مرسوم رئاسي يحمل الرقم 92 44، ومؤرخ في 9 شباط 1992، ويتكون من 12 مادة.
ويحظى وزير الداخلية حسب نص المرسوم بصلاحيات واسعة، إذ يمكنه أن يأمر باعتقال أي شخص راشد يتضح أن نشاطه يشكل خطورة على النظام والأمن العموميين أو على السير الطبيعي للمصالح العمومية. ويمنح البند السابع وزير الداخلية والولاة صلاحية "اتخاذ قرار الإغلاق المؤقت لقاعات العروض الترفيهية وأماكن الاجتماعات مهما كانت طبيعتها وبمنع كل مظاهرة يحتمل فيها الإخلال بالنظام والطمأنينة العمومية".
وبحسب صحيفة "الوطن" بلغ عدد ضحايا أعمال الشغب والتخريب والإنزلاقات التي حدثت خلال الاحتجاجات والمظاهرات أكثر من 200 جريح في صفوف قوات الأمن، وخسائر بالمليارات تتكبدها الخزينة العمومية سنويا، بينما تجاوز مجموع الموقوفين لتورطهم في أحداث الشغب والتخريب 150 موقوفاً، إضافة إلى عشرات الجرحى في صفوف المواطنين، في احتجاجات مختلفة ومتفرقة عبر ولايات الجزائر، خلال بضعة أشهر، انطلاقاً من وهران إلى بريان إلى العاصمة والبليدة وغيرها من الولايات. وكانت آخرها أحداث ديار الشمس في ضواحي العاصمة التي خلفت 15 جريحاً في صفوف قوات حفظ الأمن خلال مواجهات بين السكان والشرطة.
هكذا سقط 168 جريحاً عبر البلاد خلال احتفالات الأنصار بفوز الخضر على الفريق الرواندي قبل نحو أسبوع من الانتصار على المنتخب المصري. كما خلفت تلك المظاهرات مقتل 15 شخصاً منهم 9 في كل من العاصمة ووهران وتيارت وسعيدة وعين الدفلى، وأصيب عدد من المتابعين لهذا الحدث الكروي بنوبات قلبية أفضت إلى وفاة 6 مناصرين.
بينما تحدثت وكالة الأنباء الجزائرية عن إصابة 71 شخصاً من بينهم ثلاثة أعوان من الأمن الوطني بجروح مباشرة عقب اللقاء الكروي، وتم نقل الأشخاص المصابين نتيجة تعرضهم للسقوط أو اعتداءات بواسطة السلاح الأبيض إلى قسم الطوارئ. كما تعرضت عشر وسائل نقل وآليات أشغال عمومية تابعة لمؤسسة كورية جنوبية في مدينة المدية للتخريب على يد مجموعة من الشباب الذين استغلوا الفرحة الشعبية العارمة التي تلت فوز منتخب كرة القدم لارتكاب أعمال تخريب.
كذلك سجل جرح 30 عنصراً في صفوف قوات الأمن في انزلاقات خطيرة ومواجهات عنيفة شهدتها مظاهرات التضامن مع غزة عندما حاولت قوات الأمن منع المتظاهرين من تنظيم مسيرة في الجزائر العاصمة. وتفجر غضب المتظاهرين الذين حاولوا اختراق الحاجز الأمني بالقوة، وصعد عدد من المراهقين فوق بناية ما تزال قيد الإنجاز وبدأوا يرشقون عناصر الأمن من أعلى البناية بأعمدة من القضبان الحديدية، وأمطر المتظاهرون عناصر الأمن بقطع القرميد، والحجارة والقضبان الحديدية والطوب والألواح وأعمدة النوافذ والأبواب، ومختلف مواد البناء، وأجزاء من الكراسي المهملة وكل ما وجدوه أمامهم مما خلف أكثر من 30 جريحاً في صفوف عناصر الأمن، وكلهم مصابون على مستوى الوجه والفك والأرجل والبطن والصدر، كما سجل عشرات الجرحى في صفوف المتظاهرين أيضاً.
مباريات الديربي
وعادة ما تستنفر مباريات كرة القدم وخاصة مباريات الديربي قوات مكافحة الشغب وجميع السكان في محيط الملاعب الرياضية، إذ كثيراً ما تشتعل حروب مفتوحة بين المناصرين بمجرد خروجهم من الملعب وتدفقهم إلى الشوارع والأزقة حيث تخلف المواجهات الدامية بين المشجعين فيما بينهم ومع قوات مكافحة الشغب خسائر بشرية ومادية فادحة. وأفاد زين العابدين جبارة أن قوات مكافحة الشغب وعناصر حفظ الأمن العمومي تصنف المباريات التي تجمع مولودية الجزائر مع اتحاد الحراش أو نادي نصر حسين داي بنادي شباب بلوزداد في الخانة الحمراء، إذ تطوق قوات الأمن الطرق المؤدية للملاعب التي تحتضن هذه المباريات الرياضية بعد أن أسقطت عنها المواجهات غير الرياضية بين المناصرين صفة اللقاء الرياضي.
وكما هو الحال في شمال البلاد فإن منطقة الشرق الجزائري تشهد اشتباكات حادة بين مناصري وفاق سطيف وشباب أهلي برج بوعريرج. والأمر سيان قبل وبعد دربي شباب قسنطينة ومولودية قسنطينة. أما مواجهة مولودية بجاية لشبيبة بجاية فتستدعي استنفاراً كاملاً لقوات مكافحة الشغب لتفادي ثورة شعبية بين المناصرين يذهب ضحيتها جيران الملعب والقاطنون على حافتي الطرق المؤدية له.
قصارى القول إن الخروج إلى الشارع بات أداة أساسية للتعبير عن الغضب والاحتجاج أو الفرحة وأصبح يطبع حتى المواعيد السياسية. غير أن اللجوء إلى الشارع في أعقاب المواعيد والاستحقاقات الانتخابية يختلف في مضمونه وشكله عن الحالات الأخرى. فلئن أصبح الشارع مسرحاً للمنتفضين والغاضبين للتعبير عن احتجاجاتهم على وضع معين، والتي غالباً ما تكون ذات علاقة بالأوضاع الاجتماعية مثل أزمة السكن والبطالة والفقر، فإنه أصبح كذلك الوجهة المفضلة لأعضاء الأحزاب والمشاركين في المواعيد السياسية والاستحقاقات الانتخابية، وربما يعود في يوم ما ساحة تتردد فيها أيضا أصداء التيارات الإسلامية المنكفئة على نفسها الآن.